- هل يحرّم الله شيئًا جميلاً يا صديقتي ؟
- نعم أعتقد بأنّ الله يحرّم أشياء جميلة، لأنّ الإنسان مخلوق أعقد بكثير من أن يحكمه معيار واحد فقط !
.

.
ليس من عادتي أن أحاسب الآخرين عن أفكارهم ومبادئهم بل أعتبر نفسي متطفّلة متى ما فعلتُ ذلك ، لكنّ نزعتي الفلسفيّة تقودني دائمًا إلى التأمّل بصمت في أسلوبهم الخاصّ ودوافعهم الداخليّة وتاريخهم الفكري الذي يتفرّد عند كلّ إنسان ، لذلك عندما كنتُ أشاهد “برومو” لأحد البرامج الشبابية الجديدة الهادفة والّذي بدأ عرضه في إحدى القنوات الإسلاميّة ، كنتُ أتأمّل في ( إنسان ) البرنامج أكثر ممّا أتأمّل في أيّ شيء آخر ، ولربّما يُعاب عليّ هذا لأنّ العقول الصغيرة تناقش الأشخاص بينما تختار العقول الكبيرة الأفكار ، لكنّي تعلّمتُ بأنّ الإنسان يبدو عند النظر إليه من إحدى الزوايا أهمّ من الأفكار المجرّدة بكثير .
لفت انتباهي في هذا البرنامج أسلوب اختيار الفتيات للحجاب ، إيشاربات ملوّنة وجميلة حدّ الإبهار صُمّمت بطريقة جديدة غير مألوفة تعطيك انطباعًا بأنّ ما يرتدينه لا يختلف عن أيّ لباس مؤدّب آخر سوى في مسألة غطاء الشعر ، إضافة إلى الإكسسوارات والقمصان الجذابة والميك آب ” الخفيف ” ، تذكّرتُ حينها مقولة مستهلكة كنتُ أسمعها في الثانوية : ” إنّه حجابٌ جميل إلى درجة أنّه يحتاج إلى حجاب ” !
لربّما يصفني البعض بالسطحية والشخصنة ، ولربّما يدعوني إلى متابعة حلقات البرنامج ومناقشة ما يُطرح فيه عوضًا عن محاسبة الفتيات على اختياراتهنّ الشخصيّة ، أنا لا أحاسب أحدًا .. كما أنّ نمط البرنامج الشبابي لا يناسبني ، المسألة أنّي أتأمّل بدهشة ممزوجة بالحيرة كيف تُهدم قناعاتنا التي آمنّا بها لسنين في لحظات بسيطة .. كيف تتلاشى المفاهيم وتتغيّر المعايير تدريجيًا عن وعيٍ منّا ، لقد كنّا نعتقد بأنّ غطاء الوجه فرض عينٍ ثمّ اكتشفنا بأنّ العلماء اختلفوا في ذلك فمنهم من حرّم كشف الوجه ومنهم من أباحه ، ثمّ اكتشفنا رأيًا جديدًا يجرّم غطاء الوجه ويضعه في دائرة العادات البالية بعد أن كان رأيًا فقهيًا ، والآن .. الآن أنا أشاهد فتيات متديّنات وواعيات يؤمنّ بالزيّ المحتشم وبغطاء الشعر ويكفرن بكلّ ما دون ذلك !
إنّ التغيير المتسارع والإنفتاح الذي نتحوّل إليه أمرٌ غير ممتع دائمًا ، بل أجده يأخذ بتلابيب النفس أحيانًا إلى الجنون والحيرة – مثلما يفعل بي الآن – لستُ فتاة متشدّدة ولكنّي باحثة عن التوازن مثل كثيرين غيري ، وما يصير إليه الأمر الآن ليس توازنًا أبدًا .. فنحن نختار المضيّ إلى المباح والأسهل ولم نتوقّف للحظة !
ما يخيفني بحقّ هو بديهيّة أنّ النفس تميل إلى ( المباح ) .. ألا يفسّر هذا لنا أنّ الكثير ممّا نعتقده حكم العقل فنبيحه على أنفسنا هو بالأصحّ حكم الهوى الذي أراد ذلك ؟ ثمّ ما هي المسافة التي تفصل بين العقل والهوى ؟ كيف يمايز الإنسان بينهما إذا كان سيختار ما يراه مباحًا دائمًا ؟
الحجاب بالذات هو أكثر ما يقلقني هنا ، ليس لأنّه يعبّر عن الهويّة الدينية فحسب ، ولكن لأنّ التساهل فيه يقع في هوى المرأة التي تحبّ غريزيًا أن تبدو جميلة أمام الجميع وفي هوى الرجل الذي يستلذّ بهذا الجمال وكذلك في الأخلاقيّات الّتي تتحدّث ببداهة عن وجوب احتشام المرأة مع الإبقاء على هويتها المتمثّلة في وجهها وفي اختيارها الشخصيّ لما ترتديه ، وبين كلّ هذا يضيع التشريع الدينيّ !
.
.
لذّة الجهاد
إنّ الإنسان حين يتعود الاستجابة للمباح يفقد لذّة جهاده نفسه ، إنّنا نفقد متعة المقاومة والمصابرة حين نضع مبدئ ( الأصل في العادات الإباحة ) قبل مبدئ ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) .
ليس مطلوبًا أن تفعل كلّ ما تراه مباحًا مهما كان اقتناعك به ، شيء من المقاومة مطلوبًا لأن نكون مسلمين أو على أقلّ تقدير لأن نكون صادقين مع الله ! هذا الدين الّذي يبحث عن توازن الطين والروح في الإنسان يتحوّل دائمًا إلى أداة لتغليب أحدهما على الآخر مع الأسف ، والإنسان أسير هواه أينما سيّره سار إليه ما لم يضع حذره .
يتخيّر مسلم اليوم – وأنا داخلة في هذا الإطار دون شك – ما يعجبه من التشريعات وينتقي ما يشاء انتقاءًا ، وهو يرفض أن يتمّ انتقاده أو نصحه لأنّ مبادئ الحرّيّة الشخصية ورفض الوصاية قد طغت على تفكير الجميع ، المرير في الأمر أن الشيطان يخدعه فيعتقد بأنّ ما يفعله طبيعي إذ أنّ في كلّ إنسان معصية وطاعة ، وينسى بأنّ روح المعاصي والطاعات هو في الجهاد المقدّس للنفس وأنّ ما يفعله حقيقة هو اتّباع للطاعة الجميلة فقط واندفاع للمعصية اللذيذة .
.
.
على الهامش :
اخترتُ العنوان بمساعدة صديقتي نجلاء ، فللعلماء قول مشهور بأن من أخذ برخص كل العلماء اجتمع فيه الشر وهذا حجابٌ يأخذ بكلّ الرخص .