إلى A W :
فليغفر الله لي حياتكِ .. وليغفر لي مماتكِ
.
.
عندما شاهدتُ فيديو الحفل الأخير لكِ ، بكيتُ كثيرًا ، ولربّما بكا معي في نفس اليوم آلاف من المعجبين الذين كانوا يصرخون بنشوة كلّما تحرّكت بتثاقل على المسرح ، لكنّهم كانوا يبكون رحيل فتاة عرفوها ، أمّا أنا التي لم تعرفكِ أبدًا .. فقد كنتُ أبكي نفسي !
ما زلتُ أحفظ تفاصيل حزنك ذاك ، وجهك الذي لم يحاول إنقاذه أحدٌ منّا ، ذراعك المتخم بالوشم وبإبر المخدرات القذرة ، تلمسينه بيأس أسقطني خائرة المعنى ، صوتكِ الذي عرفتُ عند سماعه بأنّ الأفواه قد تدمع أحيانًا ، قال أحدهم معلّقًا عليه : لقد أجبروها على الصعود إلى المسرح من أجل مصالحهم الخاصّة .. هي لم تكن تريد الغناء !
رأيتكِ يوم القيامة ، تجرّين برقبتي إلى النار ، وخلفكِ ملايين التعساء في العالم ، رفاق المخدّرات والشياطين واليأس والأزقّة القذرة ، سمعتُ صوتكِ ذاته يخاصمني عند الله : يا رب .. لقد عاشت هذه الفتاة حياة سعيدة ، مسلمةً تعرفك وتعرف نبيّك وكتابك ، لم تجرّب المخدرات ولا حياة العهر والجوع الروحيّ ، يا رب .. لقد أتحت لها وسائل للاتصال مع الآخرين لا تنفد ، وعلّمتها كيف تتحدث بلساننا ، ويسّرت لها الهداية والاستقامة ، لكنّها لم تأت لمساعدتي أبدًا ، لقد تركتني أعيش حياة حقيرة ، وأموت وحيدةً في شقتي .. موتة حقيرة !
لقد لعنك الناس بعد موتكِ ، قالوا بأنّك عاهرة تستحقّ الموت وسخروا من ظهورك مترنّحة تحت تأثير المخدرات أمام الملايين ، لم يفكّروا بأنّ الله ابتلاهم بكِ ، وأنّ الذي رزقهم الهداية والاطمئنان قادر على قلب صدورهم في طرفة عين ليتحولوا إلى مدمني مخدرات أو حتّى إلى قطّاع طرق !
وقف أحدهم معرّيًا الإنسانية وأبكاها حين قال : كان الأمر حزينًا جدًا ، ويجب أن تخجلوا من أنفسكم حين تتخذون من هذه الفتاة مصدرا للسخرية ، لقد كانت بحاجّة حقيقية إلى المساعدة ، لم تكن تريد الصعود إلى المسرح لكنّهم دفعوها إلى ذلك دفعًا ، هل يمكنكم تصوّر كم كانت محرجة بعد عرض هذا الفيديو ؟ إنّ ذلك على الأرجح هو ما قادها إلى الموت !
وقال آخر : لقد كانت تستجدي المساعدة لكنّ أحدًا لم ينتبه إلى ذلك ، والآن أصبح الوقت متأخرًا جدًا !
.
.
خُلقنا من آباء مسلمين لا لكي ندخل الجنّة فرادى وزرافات كما نتوّهم ، بل لكي نحمل أمانة دعوة سوانا إلى هذا الدين . وعشنا حياة طيّبة وطاهرة لا لكي نتأمّلها أمام المرآة كما نتأمّل تفاصيل وجوهنا الجميلة بل لكي ننقذ الذي يعيشون في ضفّة الحزن واليأس والضياع .
إنّ كلّ نعمة يمنحها الله لك تستوجب شكرًا من نوع عميق .. بعمق تلك النعمة وبحجم فضلها عليك ، ولا أعتقد إلاّ أنّ الهداية والسلام النفسي والسعادة والصحّة هي أعظم هذه النعم ، لذا كان واجب شكرها أجلّ وأثقل من سواها ، أن تنقلها للعالم كما وقرها الله في قلبك .
يقتل الجوع الجسدي الآلاف في أفريقيا ، ويقتل الجوع الروحيّ الآلاف في غيرها من القارّات ، ونحن مساءلون عن كليهما ، إذ أنّه وكما رزقنا الله قوت أجسادنا ، فقد رزقنا أيضًا قوت أرواحنا ، لكنّنا نشاهد السكارى يتهادون على رصيف ضياعهم ثمّ يسقطهم الموت فنعتقد واهمين بأنّ الله اختار لهم النار واختار لنا الجنّة ، وننسى بأنّ الله اختار لهم الابتلاء بالمعصية واختار لنا الابتلاء بهم ، ننسى بأنّ الله قد يبتلي الإنسان بالاستقامة كما يبتليه بالانحراف ، ويبتليه بالفرح كما يبتليه بالحزن ، ولعمري إنّ ابتلاءنا أشدّ وأصعب من ابتلائهم إذ أنّهم يعرفون ما هم فيه من غيّ ، أمّا نحن فلا ندرك ما نحن فيه من نعمة !
” يا له من دين .. لو أنّ له رجال ” لكنّ رجال هذا الدين غفلوا عن مقاصده الحقيقيّة ورسالته الإنسانيّة ، لقد علّمونا كيف ننظر إلى الساقطين في الوحل باشمئزاز وكِبَر ، ثمّ إنّ أقربهم إلى العدل علّمنا كيف نحمد الله على نعمة هدايته عند رؤيتهم يغرقون ، لكنّ الحقيقة أنّ محمّدًا صلى الله عليه وسلم – بأبي هو وأمّي والنّاس أجمعين – كان قد أُرسل رحمة وإشفاقًا وإحسانًا للعالمين لا حاكمًا عليهم !
لقد ماتت A W في عمر السابعة والعشرين دون أن تعرف السعادة الدنيا فضلاً عن العليا ، لا أريد لأحد أن يفوّض نفسه وكيلاً عن الله فيقول بأنّ الله لا شكّ قد بعث لها من يأخذها إلى الحق لكنّها استكبرت ، بل أريد من كلّ شخص أن يفوّض نفسه على نفسه فيقول بأنّ الله قد أمره بإنقاذها وبإنقاذ آلاف الجياع والساقطين في العالم لكنّ همّه كان أدنى من ذلك بكثير .
إنّ العين لتدمع ، وإنّ القلب ليحزن ، وإنّا على مأساة حياتك ومماتك .. لمسئولون !
.
.
إلى A W ثانية :
بربّنا يا فتاة ، سامحيني !
شكـــــــراً لكِ هذه الكلمات غيرت فيني الكثير أو لأقل ثبتت لإني كنت مقتنعة بما كتبتِ و الله كنت أحس بذنب لما أحد يتكلم عنها بتشفق على حياتها و كذا ،،شكراا لكلماتك ……………….
لله درك يا إحسان!
أصبتِ قلب الحقيقة …و أبكيتني!
كم نحن بعيدون عن إدراك ما يدور حولنا!
اكثر من رائع..احسان