الأرواح الشريرة / موتى على الحدود !

قياسي

( الذي يموتُ منّا أوّلاً ، سيظهر للآخر للتأكّد من وجود حياةٍ بعد الموت )

نصّ المعاهدة التاريخية بين اللورد براوم وأحد أصدقائه !

.

.

ومناسبة المعاهدة هذه ، أنّ اللورد براوم كان يناقش مع صديقه ( الحياة بعد الموت ) أثناء تواجدهما في جامعة أدنبرة ، وحيثُ أنّ اكتشاف ما وراء الحياة لا يتحقّق إلاّ بالرحيل عنها – وهذا يشبه اكتشاف الحياة ذاتها كما لا يعرف براوم – فقد قرّر الطالبان النجيبان توقيع هذه المعاهدة .

وعلى الرغمِ من أنّي – وربّما يرجعُ هذا إلى أنّي لم أؤذِ ميتاً في حياتي والحمد لله – لم أصادف روحاً شريرة من قبل ، تحاول الانتقام من خادمتها التي دسّت لها الزرنيخ بين حبيبات سكّر الحمية ، أو تنفض حذائيها من الغبار ثمّ تدوس على قبر قاتلها بنذالة ، أو تصعد على سطح إحدى الغوّاصات و تخرج لسانها باستفزاز لبحّارة السفينة المجاورة ! .

أقول : على الرغم من هذا ، إلاّ أنّي قررتُ إسقاط حكايا الأشباح والأرواح الشريرة على أرض الجدّ ، خصوصاً وأنّي في أرضٍ تراعي اختلاف ثقافات الشعوب ، ولا تستحقر أبداً ما يقوله ” الآخرون ” ! .

لنعد إلى اللورد براوم

تقول الحكاية : افترق براوم عن صديقه الّذي رحل إلى الهند بعد التخرّج مباشرةً …
والعهد الّذي بينهما لم يُنسَ !!

فبينما كان براوم يمسح أوّل قطرةٍ من على رأسه – المبلل بالأفكار المدهشة – شاهد صديقه الدُهري يجلس على أحد كراسي المنزل بهدوء ، فسجّل تاريخ تلك المشاهدة في مفكّرته . وبعد أيّامٍ من هذه الحادثة كان بريد اللورد يُعزّيه وفاة صديقه في الهند برسالة ! .

ما أدهشني في رواية براوم أنّ شبح صديقه ما قهقه في وجهه فرحاً باكتشاف هكذا أرواح تُضاف إلى حاجيّات البشر في القرن الواحد والعشرين ، أو تنهّد بحرقةٍ ثمّ طلبَ منه كأساً من الكابتشينو – ما أعرفه بأنّ ظهور شبحٍٍ أمام ذوي الأرواح الراسخة ليس بالأمر السهل – .

…….. أو حتّى تعلّق على جدار الغرفة كما تفعل الأرواح دائماً !! .

فكّرتُ في أنّ هذا عائدٌ إلى أنّ صديقِ براوم كان طيّباً ، إذا افترضنا بأنّ اقتحام منزل أحدهم والجلوس على كرسيّه دون تحديد موعدٍ مسبق قد يصدر عن روحٍ طيّبة ! .

عموماً .. لم يكن لي أن أكّذب رواية براوم – كعادتي مع لوردات الغرب – ولكنّي أعتقد بأنّ ما رآه لم يكن إلاّ محض مزحة ثقيلة من عربيدٍ كان يتجسس عليهما في الجامعة .

ونحن العربُ نقول : روحاً
فإن داخله الشرّ سمّيناه : شيطاناً
فإن عربد الشرّ فيه قلنـا : عربيــداً ! .

ولستُ أستغربُ حدوث خارقةٍ كهذه ، فأجدادي – الّذين لا يشبهوننا – كانوا يعوذون برجالٍ من الجنّ فزادوهم رهقا ! .

.

.

.

حين أتخيّل بأنّ الّذين ماتوا لأنّ آخرين سئموا حياتهم ، أو الّذين ماتوا قبل أن تصل سهامهم إلى أهدافها ، أو الّذين ماتوا قبل أن يضعوا أهدافاً ، حين أتخيّل بأنّ أرواح هؤلاء ما زالت تحلّق في مجال الأرض ، أتحسس الهواء قبل أن أتنفسّه ، ثمّ أتزحزح عن كرسيّي بضع بنانات !

هذا في حال كنتُ جالسةً على كرسيّ طبعاً ، أمّا في حال كنتُ واقفةً في سوق العطالة ، أبتاع خيوطاً أدرك بأنّها لن تصلح ما أفسده ناسجو الأقمشة السوداء في صعيدنا ، حينها أؤمن بأنّي لستُ سوى شبحٍ وُلد ميتاً ، يظهر على الناس في النهار ، ثمّ إذا خارت قوى روحه دلقت عنه وردّت جسده للموت ! .

أو أنّنا أشباحٌ نحسبُ الأرض قصراً مهجوراً ، وإذا تذاكرنا ذلك غنّينا بتأوّه .. يا غربة الروح في دنيا من الحجر * ! .

.

.

.

( أَتمنّى أنّني أستطيعُ أَنْ أفسّر التلميحات عن المَوْتى من النِساءِ والشباب اليافِع ،
والتلميحات عن الشيوخ و العجائز، و عن الذُرّيةِ التى أخِذَت عَلى عَجَلٍ من أحضانِ أمّها .

ما الّذي تعتقده يصبحُ مِن الشباب والشيوخ ؟
ما الذّي تعتقده يصبحُ مِن النِساءِ والأطفالِ ؟

هم أحياءٌ و بخَيْر في ثمّة مكان؛
البَراعمُ الصغيرة تؤكّد أنّ المَوْت لم يكُن هُناك ،
وإنْ يكُن فلقَد افتتح أفقاًً لحياة ،
ولن يَنتظرَ عند النهايةِ ليكبحها ،
ويقطع لحظةً لحياةٍ دبّت . )

والت ويتمان

.

.

.

أقول لأمّي :

– والنجوم أشباحٌ ، قضت حياتها مذ آلاف السنين ، ولا نرى نحن منها إلاّ أرواحاً طيّبة تتعلّق نوراً على أسقف الأحياء ، يقول العلماء ، وأنا صدّقتُهم وكذّبتُ عيناي ، وكذّبتُ الطرقات التي ناغت النجوم ، والأطفال الّذين صادقوها ! .

– والشمس يا ابنتي ؟

– الشمسُ قريبةٌ يا أمّاه ، حدّ أنّا سنسمع احتضارها إن هي ماتت ! .

ولن تكون لها روحاً خالدة ، كما القمر والجبال ، أجساماً خُلقت لتموت !

ونحن لا نبلى !

نعيش على الأرض ، لنموت إلى السماء ، كيف هيَ أرواحنا تطيق الأرض يا أمّي ؟

.

.

يقول مالك بن نبيّ رحمه الله في كتابه ( الظاهرة القرآنيّة ) :

( إنّ خلود الروح ، تلك الفكرة الجوهريّة في الثقافة التوحيديّة ، تستتبع نتائج منطقيّة هي : نهاية العالم ، يوم الحساب ، الجنّة ، النار .
هذا المجال لم تلق عليه الكتب العبريّة إلاّ شعاعاً خافتاً ، لأنّها كانت مهتمّة بالتنظيم الاجتماعيّ لأوّل بيئة توحيديّة . ثمّ جاء الإنجيل فزاده إيضاحاً حين ألحّ على بني إسرائيل في تذكيرهم بـ ” أيّام الله ” ، ذلك المفهوم الموجّّّه إلى مجتمع قطع في طريق التطوّر شوطاً. وسنرى بأنّّّ القرآن يُبرز في هذا المجال الأخرويّ إبرازاً مؤثّراً ، فلقد قُصّت فيه رواية الخلود بنبرة خاشعة رهيبة ، في أسلوب فاق الذروة في بلاغته ، وقد بثّت في أنحائه صور ومشاهد تسكب الخشية في قلوب العباد ممّا لا يمكن معه لإنسان – حتّى في هذه الأيّام – أن يصدف عن مشاهده الهائلة ) .

* أحسبها للسيّاب 🙂

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s