المؤمنون / من أوصياء العقول !

قياسي

الإنسان ، ذلك المجهول .. صاحب القدرة العجيبة في العروج إلى منازل الملائكة ، أوالسقوط إلى ما هوَ أدنى من قبح الشياطين ! .

لا جدار أمامه إلاّ واخترع له ألف حِلّ وحَلّ لهدمه وعبوره ، ولا هوىً في قلبِه إلاّ وقد اتّخذ له ألف ذريعة وعذرٍ ليقنعنا بأنّ هواه مبدأٌ نبيل وقيمةٌ عظيمة .

وقد ذكر شكسبير في ( تاجر البندقيّة ) على لسان التاجر النبيل ما نصّه :

( لاحظ يا بسيانيو كيف أنّ بوسع الشيطان أن يستشهد بالكتاب المقدّس لدعم أغراضه ، وما الروح الشريرة التي تلوّح باستشهاداتِ دينيّة إلاّ كالوغد ذي الابتسامة على خدّيه ، أو كالتفّاحة العفنة ذات المنظر الجميل .. ألا ما أجمل المنظر الخارجيّ للزور والكذب !! )

فالبدع الدينيَّة الَّتي قد تمتلأ شركًا وخرافةً ، تقرُّبٌ إلى الله وحبٌّ لنبيِه صلَّى الله عليه وسلَّم .

والكلماتُ القبيحة في جرائدنا اليوميَّة ، فلسفةٌ ذكيّة وأدبٌ فريد وحرِّيَّةٌ مبتكرة !! .
والأموال المسمومة .. الأموال المحرَّمة ، حلالٌ زلالٌ طالما أنَّها رحلت إلى جوف من امتلأ جوفه منها ! .

وما هذا وذاك إلاّ كلمةٌ لو مُزجت بالبحر لأغرقته ، هيَ ما بين الإنس والملائكة ، والجنّة والنار ، والأعمى والبصير ، هيَ أن تكون أو لا تكون ، هيَ : الهوى .

ولستُ هنا في صدد الحديث عن الهوى ، فلقد تكلّم فيه كثير وكتب فيه كثير وسقط عبداً له الكثير الكثير .

ويكفي للهوى أنَّه صار المصدر الخامس من مصادر التَّشريع الإسلاميّ اليوم ! ، وكلُّنا دون استثناء يُقرِّب الدِّين منه منزلةً طالما وافق الدِّين هواه ومتعته ، ويبعده منازل إذا ما خالف الدِّين أهواءه ورغباته ! .

إنّما أنا بصدد تناول ظاهرةٍ زرعها الهوى بيننا في الآونة الأخيرة ، فبئس الزارع وبئس المزروع !

ظاهرة / أوصياء العقول !
.

.

.

فمن هم أوصياء العقول ؟

لا أدري متى كانت المرّة الأولى التي قرأتُ فيها هذه الكلمة ، لكنّ حرفها يحكي معناها ببساطة ، فالوصيّ بوجهٍ عامّ هو القائم بأمر الموصي عليه ، أكله وشربه ونفقته وكساؤه ، ووصيّ العقل هو القائم على عقل الموصي عليه ، أفكاره وفلسفتُه واتّجاهاته السياسيّة و… إلخ .

وقد اعتقدتُ في بادئ الأمر بأنّ المراد من الكلمة ، هم الأشخاص الّذين يفرضون آرائهم ويجبرون الجميع على اعتناق اتجاههم ، رغم أنّي أجزم بأنّ الأمّ لا تقدر على إجبار قطعةٌ منها اعتناق فكرٍ لا تؤمن به ! .

لكنّ الوصف ( أوصياء العقول ) لم يهاجم – مع الأسف – ديكتاتوريي ومتعصّبي الفكر والقلم – إن وجدوا أساساً – بل هاجم قوماً منّا ، كان ذنبهم أن أرادوا إصلاح ما رأوه فينا خللاً فما استطاعوا إلينا من سبيل ، إمّا لأنّ الذنب في أعينهم كان أكبر ممّا هوَ عليه في أعيننا ، أو لأنّ لغة حديثهم ركيكةً لا تحمل جملاً جديدة تجذبنا بلاغتها ، أو تعبيراً ذكيّاً تبهرنا لكنته لا معناه !! .

أوصياء العقول يا سادة هو لقبٌ اخترعته أهواءنا ، لتهاجم به كلّ من عرّى أخطاءنا أمامنا ، وكشف شيئاً من زيف ما نتبجّح به ، فسمّيناه وصيّ عقلٍ لا لشيءٍ إلاّ لأنّ أهواءنا هيَ من كانت وصيّة عليه ! .

* قل لصديقك بأنّ الكتاب الّذي بين يديه سيّء وفاحش ، يُلوّث الفكر وينكت القلب سواداً ، سينعتك بقيّة أصدقائك بـ ” وصيّ العقل ” الّذي يجبر الآخرين على التفكير بطريقته ، ويغلق النوافذ أمام عقول الآخرين !

* سدّ في منزلك ثقوب الفضائيّات ، وامنع أبناءك من مشاهدة ما تبدأ مصائبه أمام العينين و تنتهي أمام غضب الله ، سيلومك الجميع لأنّك ” وصيّ عقلٍ ” لا تمنح أبناءك فرصة اختيار ما يرونه صواباً .

* حسناً ، قل لأحدهم فقط : هذا حرام يا أخي ، اتّقِ الله ! .. لتجد آلاف الأصابع الملوّنة تشير إليك ( وصيّ عقلٍ متخلّف ، لا يمكنك أن تجبر أحدهم على فعل شيءٍ لم يقتنع به !! ) .

وليس العجب في أن يصنع الإنسان لذنبه ألف تبرير وتمرير ، فلقد برّر كفّار قريش لأنفسهم أعظم ذنبٍ لا يغفره الله بـ ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) ! ، بل العجب أن تصبح صناعة الأعذار وذمّ النصيحة هيَ مهنة المفكّر والمثقّف ، يبرّر بها ذنباً لم يقترفه ، لا يبرّره إلاّ لاعتقاده بأنّ اقتراف ما تطلبه أهواء النفوس حقّ مشروع ، ويُحرّم على النّاصحين التكلّم فيها ! .

.

.

( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُون َ) (الجاثية : 23 )

.

.

.

في كتابه ( البخـــلاء ) يذكر الجاحظ عبارةً لطيفة من رسالة سهل ابن هارون إلى عمّه ، حيث يقول :

( وما أردنا بما قلنا إلا هدايتكم وتقويمكم وإلا إصلاح فسادكم وإبقاء النعمة عليكم ولئن أخطأنا سبيل إرشادكم فما أخطأنا سبيل حسن النية فيما بيننا وبينكم )

لما نفترض دوماً في النّاصح سوء النيّة والرغبة في إدارة العقول ؟
لما لا نصدّق بأنّه أراد لنا الخير فعلاً ؟
لما نزمجر ونسخط ونولول بـ ” ضياع الحرّيّة الفكريّة ” إذا ما واجهنا أحدهم بخطئنا ؟
هب بأنّ قائل كلمة الخير ما أراد بها إلاّ نيل أعصابنا ، أليست كلمة الخير خيراً لا يتغيّر ؟
أم أنّ المعاني تتبدّل إن خالطتِ الألسن المعوجّة ؟
وآذاننا .. هل هي مستقيمة ؟

Advertisements

One response »

  1. احسان اود أن أقول شيئا..
    ليس الجميع بمستوى ثقافتك واطلاعك..
    الشباب اليوم لم يعودوا بحاجة لمن يخبرهم بـ”كيف” بقدر حاجتهم لـ”لماذا” ممزوجة بحب من ناصح يظن في نفسه أنه أكثر أهل الأرض “عصيانا”فلا يهمش ولا يتعالى ..
    ألا تغضبين من أولئك الذين يدعون إلى الدين بجلافة ؟ هل نيتهم الصالحة تغفر لهم عندك؟
    هذا أنت ..فما بالك بمن هو أقل منك علما _نحسبك والله حسيبك_!!
    أما إن كان كلامك موجها لمن أسميناهم “نخبة” المجتمع فأظن أن “حالهم زايد”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s