بلد المليون جائع .. وفطيرة البريك [ المترفة ] !

قياسي

2006

ها أنا ذا .. أقف أمام كافتيريا الجامعة .. أنتظر فطيرة الجبن الدسمة , وأتذمّر لأنّ العصير الّذي أحبّ شربه في هذا الوقت غير متوفّر ( حاليّاً ) ! .

نظرتُ إلى صديقتي بغضب .. قاتل الله الزحام ! .. لماذا أضطر دائماً إلى الوقوف هنا 10 دقائق حتّى تصلني فطيرتي ؟! .
وبينما كانت إحدى عيناي ترقب الطعام بصبر .. كانت الأخرى تنظر بفضول إلى بلقيس القادمة للتوّ ..
ما الّذي تحملينه في يديكِ يا بلقيس ؟!
ورقة إعلانية ؟؟
أرني إيّاها ..


ما شاهدته كان كفيلاً بإشعاري كم هي فطيرة ( البريك ) ترفاً لا نستحقه !
شعرتُ بدمعة ترفض النزول !
ترفض أن تعيش وأن تموت في عالم كهذا !
تأمّلتُ في الوجوه حولي ..
بحاجة أنا إلى وجوه حزينة ..
إلى شيء من حياة !
كم نحن موتى .. لا نخاف اليقظة !

.

.

.

غدو .. بكول .. باي .. جوبا الوسطى .. جوبا ..
لا أظنّك تعرف هذه الأسماء ..
ولا أدري إن كان يهمّك أن تعرفها أم لا .. !
لكنّ دينك وعقيدتك يحتمان عليك أن تعرف بأنّها أسماء مدن في جنوب الصومال تعرّضت لجفاف تضرر إثره 2 مليون ( إنسان ) .
2 مليون إنسان يموتون جوعاً كلّ يومٍ ..
ما لنا ولهم ؟
طالما كان البعد الجغرافي بيننا وبينهم كفيلاً بحمايتنا ممّا قد يصيب أجسادهم الطاهرة !
هنا طفلٌ .. يودّع آخر أيّام ما يُسمّى مجازاً بحياته ..
يبتسم .. الجوع سيسكن الآن بعد سنين من الصراخ !
وهؤلاء هناك .. أطفال يرسمون على الرمال أرقاماً ..
هل يرغبون بالتعليم حقّاً ؟
أم أنّهم يداعبون الأرقام طالما كانت الأرغفة اليابسة صعبة المنال ؟
الجوع ملّ بعضه ..
الحياة ما عادت تطيق الحياة !
الحزن مبعثر فوق الرمال وتحته ..
الأمّ ماتت .. لن يبكي الأبناء .. !!
هم ما عادوا يفرّقون بين أحزانهم ..
فالآلام متشابهة هنا .. ولا أفراح !

.

.

.

وهناك .. على الطرف الآخر من الساحل ..
حيث يعيش من يغتالون المال كلّ يوم ..
قتلة .. !
جائعون .. لا يشبعهم إلاّ التراب !

موتى .. يُضربون على مروءتهم فما يشعرون !
دفنوا في مقابر ترفهم .. فلا إهانة تحرّك آلامهم ولا يبصرون أبعد من لحودهم !
ولحودهم .. أبعد بكثير من الصومال !
آه ..
كم هو الجوع مؤلم يا طفل الصومال ..
هل يؤلمك الجوع يا صغيري ؟
أم أنّ المليار مسلم الواقفون خلف جدار الصمت هم من يؤلمك حقّاً ؟

.

.

.

” تبرّع بـ12 ريال .. تنقذ بها أسرة صومالية ! “
هكذا قال الإعلان ..
كم هي قلوبنا قاسية !
تشتري كل ما تشتهيه ..
ولربّما اشتهت المال فاشترته !
إنّها بخيلة فقط على روح ما تسكن في داخلها ..
روح تختنق بالجمود .. تحتاج رحمةً لتتنفّسها !
” الإيثار
الأخوّة
الحب
الإحساس “

لا تبحث عن هذا بين قواميس اللغات !
لا تبحث عن قواميس لتفسير ما تسمعه على الأرض بتاتاً !
.

.

.

اليوم فقط .. أدركتُ أنّهم كانوا يكذبون علينا حين وصفونا بـ ” العاطفيين ” !
ولكنّي ” بلعتُ ” كذبتهم تلك ..
أعرف بأنّهم يقصدون بأننا ” معطوف عليه ” مجرور !
لكنّ جهلهم باللغة العربيّة جعل منّا كائنات ” عاطفية ” .. مرفوعة !
كيف يكون عاطفياً من إذا نظر إلى الجياع لم يجع ؟

( أنطعم من لو يشاء الله أطعمه )
كانت هذه دوماً هي أقبح المبادئ البشرية ..
واليوم .. أراها مرسومة في قصورنا وعلى فرش موائدنا !
نشتري ما نشاء من الطعام .. نأكل بعضه .. ونرمي ( أبعاضه ) الأخرى في الزبائل ..
ثمّ نرمق الجوعى بنظرة هي أقرب إلى الازدراء منها إلى الرحمة ونتمتم :
( أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ) !! .

إن كنّا حقّاً نعتقد بأنّ جفاف الصومال بعيد عنّا ..
فعلينا أن ندرك بأنّ ابتلاء إخوتنا بالصبر هو ابتلاء لنا بالعطاء ..
وأنّ من ابتلاهم قادر على عقابنا !!

وعلى مفترق الطريق بيننا وبين الصومال نفترق
وعلى دمع آخر .. نلتقي !!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s