عهود ماتت ، وأرواح ” للتعزية ” !

قياسي

2006

إهداء :
” إلى الّذين لم يغسلوا أدرانهم بعد في مغاسل الموتى ”

بالأمس .. وقفتُ مع صديقتي أمام لوحة الإعلانات في الجامعة ..
وعندما قرأت تلك التعزية ..
مسكينة .. تلك الفتاة !
لا بدّ أنّ أحد والديها توفّي ! وربما أخوها ..
أشحت بوجهي عنّي ..
وددتُ لو أنّني أغمض عيناي ..
ثمّ أفتحهما وقد مُحيت تلك الحقيقة المرّة ..
حقيقة أنّنا من نُعزّى بالفتاة !
عهود .. ماتت .. !
هكذا بكلّ بساطة : ” عظّم الله أجركم
الأربعاء .. انقضت حياة إنسان ! ”


على ورقة A4 بيضاء
استطاعوا أن يخبروني :
بأنّ روحاً .. فارقت جسدها ..
وأنّ جسداً .. فارق أرضه ..
وأنّ أرضاً فارقت بسمتها !!!
على ورقة بين الإعلانات المتزاحمة ..
وضع إعلان عن موت عهود بصمت شديد .. !
صمت يشبهها .. ويشبه اللحد الذي وُضعت فيه !
.

.

.

.

وقفت إحداهنّ بجانبي ..
هل تعرفين عهود ؟
لقد كانت عهود طالبة في كلّية الآداب …
كانت تدرس اللغة الانجليزية …
وكانت عهود …
وكانت …
ألا تذكرينها ؟
لقد كانت طويلة .. ونحيلة جدّا ..
وكانت قد أُصيبت بسرطان المعدة ..
ثمّ إنّها … ماتت …

يالله !
ما أطول كلمة ” كانت ”
وما أقصر ” ماتت ” !

عهود :
كيف أنتِ في قبركِ الآن ..
كيف كانت إجاباتكِ على الملكين / منكر ونكير ؟
لقد أخافني بشاعة وصفهما ..
فهل أخافتكِ رؤيتهما ؟

عهود :
مضى على رحيلكِ الآن أكثر من أسبوع ..
هل تعدّين الأيّام كما نعدّها نحن ؟
لقد مللنا حياتنا يا عهود ..
لكنّنا الآن اكتشفنا بأننا لم نكن صادقين حين تمنّينا الموت !

عهود :
قبل وفاتكِ .. لم يكن يعرفكِ أحدٌ في الجامعة ..
والآن لم يعد هناك من لا يعرفكِ
هل تسمعين حديثنا عنكِ ؟
ودعائنا لكِ ؟

عهود :
بالأمس ذهبت صديقاتكِ إلى منزلكم لتعزية والدتكِ ..
هل كنتِ تتمنين رؤيتهنّ قبل وفاتكِ ؟
وهل كنتِ تعتقدين بأنهنّ سيزرن بيتكِ دون أن يلقين عليكِ السلام ؟
حين حدثتهنّ آخر مرّة من غرفة العناية المركّزة ..
هل كنتِ تعرفين بأنّك لن تحدثيهنّ ثانية ؟

عهود :
ليتكِ تعرفين بأنّي الآن .. في هذه اللحظة أكتب عنكِ ..
عن الفتاة التي لم أكن أعرفها .. لكنّ موتها زلزلني وهدم شيئاً مّما في قلبي من موت .. !
عن الفتاة التي رحلت بصمت دون أن تُودّعنا .. وكأنّها تجزم اللقاء …
نسأل الله يا عهود اللقاء ..

قبل أيام من وفاة عهود أتذكّر بأنّ إحدى صديقاتها كانت تحادثني عن خوفها الشديد من دخول مسجد يجاور مغسلة للموتى !

وبعد أيام من وفاتها .. كانت هذه ( الصديقة ) تحدّثني عن رغبتها في اقتناء جيتار جديد لتتعلّم العزف !

شعرتُ حينها بأنّ الحزن أصبح لزاماً على أولئك الّذين لم يعبروا الطريق بعد ..
على الّذين ما يزالون يمشون على الأرض .. وأرواحهم مختنقة في مقابرها !

أيّها النّاس :
اجمعوا خيوط أكفانكم
واحفروا قبوركم
وجهّزوا المغاسل التي ستغسل أجسادكم

أيّها الناس :
إنّ الأرض ما عادت تطيق رزاياكم
وإنّها تبتلع كلّ يوم أفواجاً منكم علّها تخفف من حملها
وإنّ السماء ستفتح لكم أبوابها قريباً
لتعود أرواحكم إلى حيث نُفخت ..

قالت رفيقتي : … لأتفاجأ بأنّ الأمس لم ولن يغادرنا !
الزمان لا يغادرنا ..
نحن الّذين سنغادره ..
وساعة قضت عليَ ستون دقيقة , هي ذاتها ساعة قضيتُ عليها ستين دقيقة أخرى ..
أنا التي أحيا .. وأنا التي أموت !
وأنا التي ستُغطّى في الكفن قريبا ..
قريباً .. قريباً ..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s