كلُّ المياه متشابهة !

قياسي
لا ماء !

......

لم يعلِّمني والداي كيف أشرب الماء ، لقد وُلدتُ وفي فمي قِطرٌ منه ، وفي عظمي ترياقٌ منه ، وعلى طِرف أمِّي دمعٌ منه ، وبين مفاصلي المتوجِّعة .. عطشٌ إليه ! .

كانت قبيلتي تقدِّس الماء ، وكنتُ أراهم يرفعون أيديهم كثيرًا إلى السماء ينتظرون ماءًا يسقط على رؤوسهم ويروي مواشيهم النحيلة ، ويبلل صعيدهم وأعشاشهم ومقابرهم ، يسمُّونه مجازًا ” مطــــــر ” .. لكنــََه في عرفهم ” قوافل السماء العائدة برحمة الله ” .

كانت الحيوانات والطيور والخنافس ترفع رأسها إلى السماء أيضًا ، وقد تطرق الأرض بأقدامها ، أو تداعب الندى بشفاهها .. فالماء واحد هنا .. الماء الَّذي تفجِّره الأرض مختلطًا بالتراب ، والماء الَّذي تسقطه السماء مختلطًا بالملائكة ، والماء الَّذي يضاحك العمَّال في أطراف القرية مختلطًا بالنار ، يبلل جلودهم لتشرب منه عظامهم فلا لحم يكسو ما بينهما ، كلُّ المياه متشابهة وشفافةٌ مثل ظلِّ فراشةٍ شاحبة ! .

– لماذا تبكين يا أمِّي ؟
– أنا لا أبكي يا حبيبي ، عيناي تشعران بالبردِ فتتلحفا الدمع كي تتدفئان .
– ليت أنَّ عيناي تبكيان يا أمِّي ، سأخبئُ الدمع في أوعيةٍ فخاريةٍ صغيرة ، وأخلطها بالجوز والورد ، ولن نعطش قطُّ يا أمِّي !.

لكنَّ عيناي جافَّتين مثل قنديلين لاسعين ، عيناي عاقرةٌ لا تنجب الدموع ، ربَّما لأنَّها عطشى .. عيناي عطشى ، وجسدي وأظافري ومسامات جلدي الأسود ! .

.
.

بالأمس قابلني رجلٌ أبيضٌ لا أعرفه ، رآني أقاسم الغزال والتماسيح ماء غديرٍ قاسمناه يومًا أحزان جفافه ، اقترب منِّي بهدوءٍ وقال هامسًا :

– لماذا تشرب يا بنيّ من ماءٍ قذر ، سوف أجلب لك ماءًا نظيفًا إذا رغبت .
رفعتُ رأسي ببلادةٍ وقلتُ لا مباليًا :
– وما الفرق ، كلُّ المياه متشابهة ، الغزال الَّذي شرب من هذا الغدير كان قويًّا ، وقد أفلت من الفهد الجائع ! .
– حقًّا ؟ ماذا إذا أخبرتك بأنَّ هذا الماء سوف يكون سببًا في مرضك ؟
– هل تعني بأنِّي إذا توقَّفتُ عن شربه فسوف لن أمرض ، يا سيِّدي ، كلُّ ما في قريتي مسموم فابحث إذًا عن أمصالٍ لأمراضٍ تبدأ حيث ننتهي ، أوراق الشجر الَّذي نقتاته والتراب الَّذي نغسل به أجسادنا والأحزان الَّتي تتناقلها الأجيال .
ما الَّذي يمكن لماءٍ قذرٍ أن يفعل بالأطفال هنا ؟
أن ينفخ بطونهم ويسبب لهم الألم وربَّما الموت أحيانًأ !
– يا صغيري الأطفال في بلادنا لا يموتون لأنهم لا يشربون مياهًا قذرة ، إنَّ لديَّ طفلاً في مثل عمرك ولو سألتَه عن لون المياه لأجابك متعجِّبًا بأنَّ الماء مثل زجاجٍ شفَّافٍ تنفذ منه الشمس في النهار ، ويغار من حسنه القمر في الليل .

وبدأ يحدثني عن وطنه ، كلُّ شيءٍ هناك أبيضٌ وبارد ، الإنسان والثلج والهواء .. وحتى الماء ، الماء في بلادهم يختلف عن الماء في النيجر ، الماء هنا أسودٌ شاحبٌ يحتضر ويرجو الأطفال ألاَّ يكونوا سببًا في إنهاء حياته لأنَّه سوف يبادلهم ذات العمل إن فعلوا ذلك ، لكن الماء في بلادهم أبيضٌ كما لم نره من قبل ! .

.
.

[ الحمد لله ]

قالت أمِّي ذلك وهي تأخذ قطعة من قماش ثوبها وتمسح بها فم أخي الصغير .
قلتُ وأنا أتلوى من الجوع وأسند ظهري إلى ظهرها :

– لقد كان ما أكله محمَّدٌ مجرَّدُ قطعٍ من الأخشاب الجافَّة سُمِّيت مجازًا بأوراق الشجر ، فلماذا تقولين ” الحمد لله ” ؟
– الحمد لله .. قلِ الحمد لله ، لأنَّه لو عاش بأكله هذا الورق فسيصلِّي ويعبد الله وهذا خير ، ولو مات فسيلقى الله طاهرًا وهذا خير ، ولو عاش مريضًا لأجزل الله له الهدايا في الجنَّة وهذا خير .
– هل يحبُّني الله يا أمِّي ؟
– يحبك الله يا حبيبي ويحبُّ محمَّدًا ..
– لما يحرمنا من المياه البيضاء إذًا ويمنحها غيرنا ؟
– ربَّما لأنَّه يحبُّ الَّذين يحفظون قلوبهم كما خلقها أوَّل مرَّةٍ دون أن يلوثوها بالحياة ومعادن الأرض ، وربَّما لأنَّه أراد أن يسمع أصواتنا ونحن نرجوه ماءًا يسقينا إيَّاه ، وربَّما لنلقاه أطهارًا فندخل الجنَّة دون أن نقف طويلاً أمام صحائف المياه البيضاء الَّتي شربناها في الدنيا .

إلاَّ أنَّه أراد لنا ذلك ، ونحن قد لا نعرف لما ، فلا تحزن يا صغيري ، ستشرب الكوثر قريبًا وأنا أعدك ، قالت أمِّي ذلك ثمَّ أسندت رأسها إلى الأرض وأغمضت عيناها شاردةً من الجوع إلى الظلام .

.
.

أصبح عمري ستة عشر عامًا ، ما زالت النيجر كما هي ، لكنَّ أمِّي رحلت ، تركتني وأخذت معها محمَّدًا ، الجوع قتلهما غدرًا بالهَزال والضعف وأنا لن أسامح الجوع أبدًا .

كلُّ يومٍ أجتمع بأطفال القرية هنا ، أعلِّمهم ما قالته لي أمِّي قبل 5 سنوات ، أردِّد ما قالته كلَّ ما رأيتُ مياهًا سوداء .. ” الحمد لله ” .. ما زلتُ حيًّا أصلِّي وأحدِّث الله وأرجوه أن يحفظ لي هدايا مرضي عنده في الجنَّة .

.
.

بالأمس كنتُ أجلس على التراب أرسم بإصبعي أحرفًا ونجومًا وأطراف جسدٍ هزيل ، إنَّني أحبُّ كلَّ ما ينتمي إلى عالمي ، فلا أحد شاركني جوعي مثل أطراف أصابعي ودقائق عظام ظهري .

– هل التقينا من قبل ؟

رفعتُ رأسي وشاجرتُ فمي علَّه يرسم ابتسامة منشرحة ..

– أجل يا سيِّدي ، لا بدَّ أنَّك صاحب المياه البيضاء .
– ما زلتَ تذكرني إذًا ، كيف حالك يا فتى الغدير ؟
– الحمد لله ، إنَّني بخير والنيجر كما ترى ما زالت بخيرٍ أيضًا ، كيف حال فتاك ؟
– طفلي ..
– لا بدَّ أنَّه أطول منِّي الآن وأغزر لحمًا ، ولا بدَّ من أنَّه يحبُّ فتاةً ويغازلها ، إنَّني ما زلتُ أغازل المياه السوداء يا سيِّدي .
– طفلي ، لقد مات طفلي قبل سنتين ..

لم تكن لديَّ قبعةً لأضعها عن رأسي وأنا أسمع ذلك الخبر ، ولم يكن وجهي بحاجةٍ إلى رسم ملامح حزينةٍ وادِّعائها ، لقد كان وجهي لوحةً موسومةً بالحزن والنَّار .
رأيتُ الرَّجل يشبهني عندما رفعتُ رأسي ونظرتُ إليه ، حزينًا شاحبًا كأنَّه لم يعدّ يهتمُّ للمياه البيضاء .. مثلي ، إنَّ البشر يتشابهون في الحزن ، يتشابهون مثل الماء الملوَّنِ تمامًا ! .

– إنَّني آسفٌ لأجله .
– ………………….
– قل لي يا سيِّدي ، كيف مات فتاك ؟
– لقد مات ..

لقد مات طفلي [ غرقًا ] في رحلةٍ مدرسيَّة إلى منتجع !!! .

( إنّ تزويد العالم بأسره بالمياه وتأمين نظام صحيّ للجميع سيؤدّي إلى نفقات إضافيّة تقدّر بعشرة بلايين دولار سنويّاً : أي عُشر ما تنفقه أوروبّا على المشروبات الكحوليّة أو نصف ما ينفقه الأمريكيّون لإطعام الحيوانات الأليفة التي يقومون بتربيتها ! .)
ريتشارد جولي
رئيس مجلس التشاور لتأمين المياه والصرف الصحّي التابع للأمم المتّحدة

Advertisements

3 responses »

  1. مدونه اجمل من رائعه وكلمات من صميم الواقع
    مبارك عليك مدونتك اعجبت بها
    الماء نعمه من نعم الله علينا ويجب على كل فرد ان يسنخدمه حسب حاجته فقط

  2. وجعلنا من الماء كل شيء حي ..

    حتى حروفك أحيتها وألهمتها ” قطرات الماء ” كما أحيا ذائقتي مطرك

    شكرا لكِ إحسان بعدد قطرات السماء

  3. ما أضعف الإنسان تنعشه قطرة ماء وتقتله أيضا..!..

    احسان تجيدين تقمص الشخوص لدرجة يحاكيك فيها قارئك..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s