ليش مات ؟!.

قياسي

– تغيّرتِ كثيراً !
– هذا ما يقوله كلّ الّذين لم يشاهدوا شبحاً منذ 10 سنوات !

بالمناسبة ، متى كانت آخر مرّة رأيتَ فيها شبحاً ؟

أنا لا أعني تلك الكائنات القبيحة التي ترتدي شراشفَ بيضاء ، وتقفز أمام الأطفال في شاشات التلفاز وخلف ستائر غرفة الجلوس ، وبين فقاقيع الحليب الساخن ، إنّما أعني .. هل افتقّدتَ أحدهم لسنينٍ عجافٍ طويلة ، حتّى لكأنّه بين دفاتر ذاكرتك شبحاً .. شبحاً أبيضاً يجري أمامك ويكبر ويحلم ويسعل ويمسح بقطنٍ ملوّنٍ جراحه ويهنّئ من حوله بالعيد و .. يقرأ ويكتب ويرسم اممممم ويتذكّرك !! .. لكنّ يداك لا تلمسه ولا يصرخ فمك على وجهه إن رفع صوتَ الإذاعة ، ولا تهدّده بكشف أخطائه أمام سلحفاته .. أخوك أمامك .. لا تراه ؟! .
هل هو الموت ؟
لا ، لا ، لم يفرّق الله بيني وبين عزيزٍ بالموت أبداً ، ربّما لأنّ ربّي لا يجمع بين عسرين ، ثمّ إنّ مجرّد التفكير بموتِ أحدهم يصيبني بالموت .. فكيف .. !

.
.
.

الحقيقة أنّ ما مارسته أعلاه هو النتيجة الحتمية لكلّ محاولة منّي في كتابة ( قصّة مفيدة ) :

أن يتحوّل الأمر لثرثرة سخيفة مبعثرة ، وبوحٍ مهووس ! .

وشأني مع القصّة القصيرة عجيب ، إذ هيَ أوّل أضرب الأدب التي اقترفتها – أو أنّني ادّعيتُ اقترافها – في طفولتي ، ثمّ ما إن تمكّنت يداي القلم – أو أنّني ادّعيتُ تمكّنها – لم أعد أفكّر جدّيّاً في كتابة قصّة قصيرة ، ولا أتخيّل أنّي أصنع شخصيّاتٍ وهميّة وأماكن وهميّة وأوقاتاً وهميّة وأربط بينها بأحرف جرّ وأفعال ماضية ، لتبكي إحداهنّ أمام شاشة حاسبِها وتصرخ : ليش مات ؟ .

.
.

أمامي الآن دفترٌ أحتفظ بهِ مذ كان عمري 12 عاماً ، وهو مجموعةٌ من الأوراق المتهالكة قضت عليها مشارطي في نهاية الصفّ الأوّل متوسط دون أن أميّز بينه وبين دفتر التاريخ ! .

والمهمّ في هذا الدفتر أنّه يحتوي على أوّل محاولةٍ لي في كتابة قصّة مفيدة ! ، وأتذكّر بأنّي لمّا أنهيتُ نصفها ذهبتُ بها إلى خالتي ، فشجّعتني وامتدحت قصّتي كثيراً ، فكان شكرها أن اغتبتها بيني وبيني :

– هذا ما يمارسه الآباء مع المراهقين بعد متابعتهم لمجلّة الأسرة ، التشجيع حتّى لو كان الأمر تافهاً !!

امممم ، هذا جزءٌ من القصّة نجا – والحمد لله – من هجمات المشارط :

عنوان القصّة : ( القيود ) طول عمري مبدعة في اختيار العناوين 🙂 !

….. وفي المدرسة وبالقرب من اللوحات
هلا : هذه جوني شيطانة إن اللوحات متقنة جداً
دعاء : معك حق ولكن من هذا الرسام البارع لا أعتقد أن جوني تستطيع الرسم
هلا : إنظري يا دعاء إلى هذا الخط الصغير في أسفل اللوحة
دعاء : معك حق ولكن ما هو المكتوب ؟
هلا : تعالي لنقرأ آه .. أنقذوني أ .. أنا في وادي الخضر
دعاء : وادي الخضر أعرف مكاناً بهذا الاسم
هلا : خذيني إليه
دعاء : بكل سرور
وفي الطريق
هلا : بودي أن أعرف من هذا الذي يستنجد بنا ويطلب المساعدة
دعاء : بالتأكيد إنه من قام برسم اللوحة
هلا : صحيح ولكننا نسينا موضوع البحث على زبيدة
دعاء : القضية ( قضية ) عدة خطوط لو حللنا واحداً منها سنعرف كيف نحل باقيها
هلا : كيف ذلك ؟
دعاء : أنت تعرفين أن زبيدة غائبة منذ قدوم جوني بالتأكيد فإن جوني لها علاقة بالأمر
هلا : كفانا ثرثرة متى سنصل
دعاء : إنه هنا لقد وصلنا
وفي الداخل في وادي الخضر
هلا : أتعرفين …..

أمّا ما يلي ( أتعرفين ) من سطور فإنّه البياض و المشارط ، وأنا الآن أسأل نفسي بحيرة : هلا ودعاء ، هل ذهبن إلى وادي الخضر بالسيّارة أم سيراً على الأقدام ؟! .

أتذكّر محاولةً أخرى لي في كتابة قصّة من 20 صفحة قبل ثلاثة أعوام من الآن ، المضحك أنّي كنتُ أبكي وأتوتّر كلّما كتبتُ سطراً حزيناً فيها ، وأخذتُ النسخة الوحيدة منها إلى إحدى معلّماتي في المدرسة ، ثمّ فقدتُها في آخر يومٍ من الثانويّة العامّة .

.
.

اليوم .. ” الفراغ ” هو ما أحيى رغبتي بكتابة قصّة قصيرة ، والفراغ هو ( شاكوش ) الهدم الأول في وطني الحبيب ، إذ أنّنا لا نملك حديداً صلباً نعجن منه معاول بناء ، وقد أجبرني على قراءة قصّة – هكذا قيل أنّها والله أعلم – عاميّة اللهجة ، تدور رحاها حول الأسواق والحبّ والأفراح والموت ومنتجعات ماليزيا وعيون الإحساء وزواج أبناء العمومة …. إلخ ، وقد خُيّل إليّ أنّ ما قرأتُه كان ( أكاذيب فتيات المتوسطّة ) المنقولة إلى الشبكة العنكبوتيّة ، لكنّ العجيب أنّي وجدتُ هذا النوع من ” الشخبطة ” يلقى رواجاً كبيراً بين الناس ! .

بدا ليَ الأمر سهلاً ، فكلّ إنسانٍ هو ( حبكةٌ ) يستطيع صياغة قصص بعدد شعرات همومه ، ثمّ إنّ لديّ الكثير ممّا أودّ قوله طالما أنّي أضعف من فعله !! .

بدأتُ بتكوين الشخصيات ، كان سهلاً .. فأنا أعرفني جيّداً بما يكفي لصياغة قصّة جميلة ومتماسكة وخالية من التناقضات ، سأجعل من نفسي بطلةً مثاليّة .. لا .. لا ، سأفعل ما تفعله جلّ الفتيات التي تنشر دور الطباعة رواياتهنّ ، سأحلم وأترجم أحلامي قصّةً جذّابة ، المشكلة أنّ أحلامي لا تهمّ أحداً ليقرأ روايةً كُتبت فيها ! ، ما دخل القارئ العربيّ بالجوع العربيّ؟ ..

فكّرتُ في كتابة قصّة تبدأ أحداثها من المستقبل ، ماذا لو عدتُ إلى وطني بعد 7 سنين غياب ؟ ، الواقع يقول بأنّي أنوي العودة بعد سنتين من الآن ، أي بعد غربة 9 سنوات .. سأجعلها عشراً ،
وسيردّد الجميع يوم يرونني :

– تغيّرتِ كثيراً !
– هذا ما يقوله كلّ الّذين لم يشاهدوا شبحاً منذ 10 سنوات ! .

وكانت البداية ..

Advertisements

2 responses »

  1. !
    على طاري القصص، إيه تلقى رواجاً كبيراً :).
    أنا أتمنى الكثير. ومما أتمنى ان أكتب قصة فالمشكلة أن أساس الفكرة موجود ولدي عدة تفاصيل عنها لكن مخي يتوقف بمجرد محاولة البدء!
    وكثير من الأماني لا تتحقق فسأتخلى عن هذه الأمنية متمسكاً بما عندي من مهارات أخرى 🙂

  2. أديبة انت منذ الطفولة ؟؟
    هل كنت في السعودية حينما كتبت ذاك النص؟
    بمناسبة ليش مات ..دائما ماأقتل أبطال قصصي وأسأل ذات السؤال ..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s