” 5 ” دقائق .. في الجنَّة }

قياسي

إلى وجدان /

اشتقتُ الجنَّة يا صديقتي ..

حدِّثيني عن جزءٍ منَّا ..

يباغتُ النظرة الشاردة فيحفظها

ويختطف الكلمة العابرة فينحتها

ويستنشق روائح المنازل ، و” المراييل ” الصفراء ، و سجاد المصلى ..

فلا ينقلها إلى الرئتين ، بل يحفظها في تجاويف الروح .. مغلَّفةً كي لا تروح

حدثيني عن جزءٍ لانقدر إلاَّ أن نفسره باسمه ..

ما سجَّل عنه العلم بكثير ، بينما هوَ من سجَّل العلم في الدفاتر الصغيرة .. والكتب الكبيرة .. ومخطوطات نقشبند !

حدثيني عن جزءٍ مبكـٍ .. مضحكـ .. مخيفٍ .. محزن ..

يرجف القلب ويمزِّقه كخرقةٍ على حبال الحياة لا ترحمها الشمس

ويربطنا بالأصدقاء .. والأماكن والأصوات والألحان والعصافير الرماديَّة

.

.

بالله ..

حدثيني عن الذاكرة ؟

وما تفعله في قلبي المرتَّق

كقميص يتيمٍ بللته الدموع والـ ” حياة “

حدثيني عن الذاكرة .. كلَّما أرهقها حملها أزاحته إلى عينيَّ ..

فأسبلت الجفنين تبكي بخشوعٍ ..

وتحلِّف الأرض أن تبتلع كلَّ ما رأته !

.

.

.

ليلة الإثنين ، صلَّيتُ التراويح في مسجد الإمام الحكمي – حفظه الله – .

كنتُ قد عزمتُ في نفسي على رؤية صديقتي آمنة هناكـ

بعد الصلاة ، رافقتني إلى باب المسجد وهي تثرثر ..

تحدَّثنا عن فتياتٍ من المدرسة كثيرًا

على الرغم من أنَّ آمنة صديقتي في الجامعة أيضًا ، إلاَّ أنَّ المدرسة تربطنا بشكلٍ أقوى

ربَّما لأنَّ الجامعة لم تجمعنا في ” مصلَّىً ” صغير ، بل في ” معامل ” كبيرة !.

– منال الداعية .. فاكرتها ؟ ما شاء الله كانت تصلِّي هنا العام وهي حامل !

– آه عارفة ، صارت أم مالك الحين ، وتزوجت تهاني أخوها وصارت أم مصعب

– و .. وجدان ؟

– وجدان ؟ .. يا ليت أعرف شيء عنها .. ودي أسمع صوتها أو أشوفها .. لو تعرفي قد إيش اشتقت لوجدان !

– كنت أحبها

– كل ما أشوفها ” أتذكر ” الجنَّة ، وجدان ( قطعة من الجنَّة ) .

.

.

فجأة صرختْ آمنة وهي تشدّ يدي : وجدان ، وجداااااان ، شوفي أهي وجدان قاعدة هناكـ ..

لم أصدِّق هديَّة القدر ، وجدان بابتسامتها البيضاء ، بروحها الَّتي تراها عينيَّ قبل أن تصل وجهها .

وجدان .. الداعية ، وجدان الَّتي لم أكن أتحدَّث في حضرتها كثيرًا ، كنتُ أفكِّر بالجنَّةِ كلَّ ما رأيتُها .. وأخجل من نفسي !

وجدان ( قطعةٌ من الجنَّة ) .

سلَّمتُ عليها وأنا أبكي ، النساء ينظرن إلينا بدهشة ، وآمنة تناديني بصوتٍ هادئ : إحسان .. إحسان

نظرتُ إلى وجدان .. أردتُ استعادة ملامح الحياة ، والبحث عن ملامح الجنَّة بين عينيها !

قالت لي بصوتها الرخيم / [  أحس إني في الجنَّة !

سبحان الَّذي جمعنا في بيتٍ من بيوته من غير ميعاد يا إحسان ]

شعرتُ حينها بأنِّي في الجنَّة والله

عشتُ الجنَّة .. لخمس دقائق

كانت وجدان تدخل من باب الجنَّة وكنتُ أجري إليها وأحتضنها

وأبحث عن بقيَّة من عرفتهنَّ في الله .. أبارك لهنَّ وأضحك بجنون

أين مقامي ؟! .. أدعو بصوتٍ مرتفع : يا الله عجِّل لي برؤية مقامي في الجنَّة ..

في الجنَّة ، سأعرِّف صديقاتي ببعضهنَّ ، أنا لا أطيق أن أتركـ أيًّا منهنَّ .. لذا سوف نقيم معاً !

سألتني / ها .. إيش عملتِ بعد الثانوي يا إحسان ..

لم أجبها ، قالت آمنة / إحنا في الجامعة مع بعض

باغتُ وجدان بذات السؤال ، وأنا أتوقَّع أن تقول لي : أنا في ” البيت ” !.

أجابتني : أدرس في معهد شرعي

صمتّ ..

غادرتُ المصلَّى المدرسي وأنا ألقي ذات الدروس الإيمانيَّة الَّتي تعرفها وجدان

والآن ؟

الآن أنا في كلية الحاسب ، أصارع البرمجة وأفتش في اللغات ، وأدفن رأسي في التقنية ، بينما وجدان تحفظ من كتاب الله وأقوال رسوله !.

ليس خطأً أن أختار هذه الكليَّة ، فكلٌّ على ثغرة .. لكنِّي شعرتُ بالشوق يجتاحني مثل موجٍ حرَّكه القمر إلى الدروس الإيمانيَّة ، والمحاضرات والمواعظ .

أردتُ أن أعيش تفاصيل صغيرة ، لم تكن تعني لي شيئًا .. والآن أنا على استعدادٍ لشراءها مهما يكن الثمن /

أخرج من الفصل مسرعة ومزاحمةً الفتيات

أقف على باب المصلَّى .. أنتظر ” أبلة عيشة ” لتفتح لنا الباب

أخلع حذائي ، وأضعه في مكانٍ بارز كي لا يفرَّ منِّي ويؤخرني عن حصة الرياضيات ..

أتوجَّه مباشرةً إلى مفتاح المكيّف ، أشغله وأذهب للجلوس .. أتفقَّد رائحة السجاد ، عطر الجو ، ترتيب المصاحف ..

وأجهز قلمي ودفتري الصغير كي أسجِّل كلَّ شيء !.

نظرتُ ثانيةً إلى وجدان : وداعًا ..

قالت / أسأل الله الَّذي جمعنا في بيوتٍ من بيوته ، أن يجمعنا في مكانٍ خير منه في الجنَّة

غادرتُ المسجد ..

أبي : وين كنتِ ؟ اتأخرتِ مرة ..

أنا : ها .. كنتُ في الجنَّة !

يا الله ..

أرني مقامي في الجنَّة برحمتكـ

Advertisements

5 responses »

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s