عن الَّذين استيقظوا متأخرًا !

قياسي

 

العقل ، كائنٌ مزعجٌ جدًا .. يأتيك بغتةً من كلّ مكان ، ليهدم التقاليد و يزعزع الثقات ويشتت الفلسفات .. وأحيانًا ، أحيانًا كثيرة قد يقودك العقل إلى شبهاتٍ عقائدية أو دينيّة ، وتسأل نفسك : لماذا يأمرنا الله بكذا ؟

ولماذا فعل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كذا ؟

هل انا مسيّر أم مخيّر ؟

لماذا يخلّد الله الكافرين في جهنّم رغم أنّ أخطاءهم كانت مؤقتة ؟

… ويخلّد المؤمنين في الجنّة رغم أنّ لهم أخطاءهم أيضًا ؟

.

.

هل اعتراض العقل على هذه القضايا محرّم شرعًا ؟

لستُ مفتيةً لأحدّد ، لكنّي أعلم أنّ أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلّم سألوه :  إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به . قال : ” وقد وجدتموه ؟ ” قالوا : نعم . قال ” ذاك صريح الإيمان “ .

.

.

كلّنا بشر تطرأ علينا مثل هذه الأفكار ، فيصدّقها العقل ويباركها الشيطان ويكذّبها الإيمان ، لا أمانع عقلي – حقيقة – من التفكير والبحث حول الشبهات الدينيّة ، فأنا على كلّ حال لا أستطيع قمعه ولم أؤمر بذلك ، لكن لديّ إيمان كبير داخلي بأنّ العقل سوف يوافق النصّ الشرعيّ ولن يخالفه ، حتّى إن فهمتُ ذلك متأخرًا .

أتذكّر – وأنا جدّ صغيرة – في فناء منزلنا الصغير أن سألتُ نفسي : إذا كنتُ أدعو الله الآن ، فلا شكّ في أنّ هنالك إنسانٌ آخر يدعوه في مكانٍ آخر ، كيف باستطاعة الله أن يسمع كلانا في نفس الوقت ؟

عندما كبرتُ قرأتُ ( نظريّة النسبيّة ) وعرفتُ القليل حول نسبيّة الزمان والمكان وزال عنّي هذا الإلتباس تمامًا !!

فشكرًا لك يا أينشتاين ، إنّك رجلٌ كافر .. علّمني الإيمان !

.

.

عرفتُ نظريّة النسبيّة من كتاب ( أينشتاين والنسبيّة ) للمفكّر الراحل د.مصطفى محمود ، هذا الكتاب وإن كان يتحدّث بأسلوبٍ علميّ عن نظريّة ( النسبيّة ) إلاّ أنّه قدّم لي خدمة إيمانيّة عظيمة جدًا .

( هل السماء زرقاء ؟ ، والعشب أخضر .. والجدار صلب ؟ )

لا .. إنّ هذا ما يراه الإنسان فقط ، وإلاّ فإنّ السماء دخانٌ أسودٌ كثيف ، والجدار عبارة عن ملايين الجزيئات غير المستقرّة في مكانها .

إنّ أعيننا تكذب ونحن نحسب أنّنا نرى الحقيقة المطلقة .. ولا حقيقة مطلقة لدينا ، كلّ شيء يخضع للنسبية ، نحن نرى أوراق الورد بطريقةٍ تختلف عن رؤية النحل لها ، بل إنّ البشر في ما بينهم مختلفون تمامًا في الرؤية .. كلّ شيءٍ نسبيّ حتى الزمن ! ، إنّ الزمن ليس واحد .. أو كما يقول مصطفى محمود رحمه الله : الزمن كذبةٌ كبيرة ، وحين أنظر إلى الساعة فأجدها السابعة صباحًا ، تنظر فتاةٌ أخرى إلى الساعة نفسها وتجدها الحادية عشرة مساءًا !

إنّنا جاهلون وضعفاء تمامًا ، لكنّنا مغرورن أيضًا ، العقل والعلم فتنتان ضلّ بسببهما الكثير من النّاس ، واهتدى بسببهما أيضًا كثيرون آخرون .

وبدأتُ أفكّر : أين هي هذه الحقيقة المطلقة ؟

من هو الَّذي يستطيع معرفة كلّ شيء والإحاطة بكلّ شيء بجميع الصور ؟

من الَّذي بين يديه الزمان الحقيقيّ ؟

فرفعتُ عينايَ إلى السماء ، ورأيتُ سقفاً زجاجيًا يحلّق أعلى رأسي اسمه ( تشريع الله ) يخبرني بأنّ عقلي قاصر وكاذب وأنّه يجب أن يقف عند هذا السقف فيصدّق كلّ ما فيه وإن خالفه !

.

.

شبهاتُ كثيرة جدًا دارت في عقلي ، لماذا ولماذا ولماذا ؟ ، وأفضّل حينها أن أبحث في الإنترنت أو الكتب في الردّ على هذه الشبهات ، لأنّي أعلم أنّ عقلي ليس وحده الَّذي يفكّر ، هناك الكثير من الأشخاص الَّذين وقعوا أسره  مثلي ، وهناك – أيضًا – العديد من العلماء الَّذين ردّوا على هذه الشبهات في القديم والحديث .

أحيانًا ، أكتشف بأنّ الفكرة المشتبهة لديّ لا أصل لها في الإسلام وأنّها مجرّد عادةٍ تعوّدناها وأدخلناها في الدين ، أحيانًا أجد الردّ عليها واضحًا شافيًا ومطمأنًا ، وأحيانًا كثيرة .. لا يقتنع عقلي بالردّ وأجد أنّ الفكرة صحيحة ومثبتة في القرآن الكريم أو السنّة المطهّر ، فأسكتُ صوت عقلي وأصدّق الله ، لأنّ عقلي قاصرٌ والله منزّه عن القصور .

في الآونة الأخيرة ، تابعتُ شيئًا من الحوارات الجدلية والفكرية والعقائدية في منتديات عربية .. لاحظتُ انتشار / الملحدين – القرآنيين – الجدليين .. إلخ ، وتخيلتُ أنّ أغلبهم أشخاصٌ أتوا من العصر القديم جدًا ، حيث لا يوجد كتب ولا إنترنت ولا علماء للردّ على شبهاتهم ، أو أنّهم .. أو أنّهم استيقظوا متأخرًا !! واعتقدوا بأنّهم أتوا بما لم يأتِ فيه الأوائل ، وأنّهم يفتحون نقاشات جديدة وشبهات لم تسبق عقولهم أحدٌ فيها ، وما علموا أنّ أكثر أو جلّ ما يقولونه قد ردّ عليه القرآن مباشرةً ، أو ناقشه العلماء قديمًا وحديثًا ، وفنّدته الكتب وردّ عليه بعض فلاسفة المسلمين .

تصدقوا !

* ملحد لا تهمّني جنسيته يقول : لا أستطيع تصديق البعث بعد الموت ، لأنّ آباءنا وأجدادنا ماتوا ولم يرجع منهم أحد !

وتخيلتُ أنّي في صحراء مكّة ، وأنّ هذا الملحد ما هو إلاّ جاهلٌ من المشركين الَّذين يحاجّون الرسول – صلى الله عليه وسلّم – في البعث ، وأنّ القرآن يردّ على هؤلاء المشركين فيعرضوا عنه ليصبح القرآن ( عليهم عمى ) .

* هل أنا مسيّر أم مخيّر ؟

هل يعتقد الملحدين الجدد بأنّ هذه قضيّة جديدة حقًا ؟ وانّه لا ردّ عليها ..

لا أعتقد بأنّ هناك عقلاً بسيطًا أدار صاحبه عجلة تشغيله  إلاّ وسأل / هل أنا مسيّر أم مخيّر ؟

القليل من البحث حول هذه الشبهة سوف يدحضها تمامًا ، الكثيرون الكثيرون كتبوا عنها وشرحوها وشرحوا علاقتها بالقدر وعلم الله به وبالإنسان وبقدرته على الإختيار .

لكنّ قومي استيقظوا متأخرًا !

* القرآنيون

أمّا هؤلاء ، فقد بدأ صوتهم بالإرتفاع من جديد بعد أن أسكتهم العلماء ، أتذكّر فتاة ” قرآنيّة ” في جامعتي كان النقاش معها مستحيلاً فلم أدخل فيه معها أبدًا ، لكنّ صوتها كان عاليًا حدّ إزعاج الكثير من الفتيات .

وهم يقولون كلامًا غبيًا وقديمًا ويثرثرون كثيرًا ثمّ يصابون بالنرجسية والإعجاب بأنفسهم ، ويصدّقون بأنّهم فلاسفة ومفكّرين .

.

.

( النظر إلى سطح الفلسفة يقودك إلى الكفر ، والتعمّق في الفلسفة يقودك إلى لبّ الإيمان )

مشكلة هذه الفئة الجديدة أنّهم قرؤوا ” كم كلمة ” وعرفوا اسم ” كم مفكّر ” ثمّ فتحوا المواضيع والأسئلة غير المنتهية أمامهم واعتقدوا أنّهم بهذا سيصبحون جهابذة المفكرين والفلاسفة !

وإذا أخبرتهم بأنّ العالم الفلاني ردّ على هذه الشبهة مثلاً قالوا لك : أنا أريد لعقلي أن يقنعني ولا أحتاج وسيطًا لذلك !

طيب .. الإجابة عن هذه الأسئلة تحتاج إلى علم عميق لا يتوفّر فيكم ، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات !!

وأكبر دليل على أنّهم ” ما عندهم سالفة ” هو حديثهم المجوّف الخالي من كلّ معرفة ودراسة وجديّة ، فهم جدليون لا أكثر .. يلفّون حول دائرة مجوّفة ولا يخرجون منها ليصيبون غيرهم بالجنون والكدر .

يعني مثلاً ، أحدهم يتحدّث عن أحاديث الرسول – صلى الله عليه وسلّم – مع النساء ويصفها بالكذب ، ثمّ يقول : ورسول الله الَّذي لم يتزوّج إلا خديجة عندما كان عمره 40 عامًا O_o .

أو أنّهم يخلطون بين العقل وبين الهوى والرغبة ، والفصل بين العقل والرغبة يحتاج لعلمٍ شديد لأنّ كلاهما مخفي غير مشاهد ولا يمكنك التحكّم به .

.

.

أخيرًا ، لا تجعلوا عقولكم أربابًا عليكم من دون الله ، بل اجعلوها السبيل الميسّر إلى الإيمان 🙂

وذاك كماله ..

Advertisements

7 responses »

  1. أحسنتِ يا إحسان /

    ماقادهم إلى ذلك إلا الهوى
    فعلاً إنه الهوى

    ::

    عندما تقل في انفسنا مفهوم الاستسلام لله والانقياد له بالطاعة
    يزيد في حينها اعمال العقل فيما لا ندرك

    ::

    سدد الله قولك

  2. ليس هناكَ أجمل من أن يردد الانسان في قرارت نفسهِ

    إذا أختلطت عليه الامور وتشوشت / أنت الأول فليس قبلك شيء ،
    وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ،
    وأنت الباطن فليس دونك شيء ..

    .
    .
    سبحانكَ ربي يا عظيم ،،

    و بارك الله فيكِ أختي \ إحسان

    وفتح عليكِ وزادكِ علماً ونفع بكِ ..

    دمتِ في رعاية الله وحفظه ..

  3. قليل من الفلسفة يجنح بالإنسان للكفر،لكن المزيد منه كفيل بإعادته للإيمان..

    قرأت العبارة السابقة وأنا صغيرة،كنت كلما كبرت استجدت علي أفكار وتساؤلات أحيانا أصل لإجابتها بنفسي وأحيانا أستعين بالكتب.

    كلما تعمقت في فهم الحياة كلما ازداد إيماني بعظمة خالقها،كلما فهمت رمزيات الدين وأسقطتها على الواقع كلما زاد يقيني بأن الإسلام دين الله الذي ارتضاه لعباده،كلما رفعت يدي للسماء أدرك أن هناك خالقا لايغفل عن عباده ويعطيهم سؤالهم قبل أن تنزل أيديهم من علو الدعاء..

    مشكلة هؤلاء ياإحسان أنهم وجدوا في بيئات تحرم السؤال وتجرمه،فلما سألوا شعروا بأن عقولهم بدأت تعمل،ولم يتعبوا أنفسهم في الحصول على الجواب أو الحرية التامة.

    ضياع ديني طرح شيئا من هذا،أحببت أسلوب الدكتور لانغ في رد الشبهات،هو رجل أعمل عقله لفهم الدين فاستيقظ مبكرا _عسى الله أن يميتنا وإياه على دينه_

    د.محمد العوضي تحدث عن الموضوع في هذه الحلقات

    مع د.نجيب الزامل 1

    مع نجيب الزامل 2

    و هنا

    وضعت الروابط لعل أحد المحتاجين للحرية يمر من هنا فتكون له بابا بحجم السماء..

  4. في فرق بين الخالق والمخلوق

    مثلا نحن نقدر نشيل كاستين في يدنا صح
    لكن نحن صنعنا روبوت ماعندو الا يد وحدة ما يقدر يشيل الا كأس واحد
    الروبوت لو انو يفكر راح يقول محد مايقدر يشيل الا كأس واحد تبعاً لما يستطيعه

    هكذا نحن ما نقدر نشوف كل شيء ما نقدر نسمع كل شيء

    هذا مع فارق التشبيه ولله المثل الأعلى

    حكاية الزمن انا مني قتنع بيها احسها مهي منطق ولا في شيء يبرهنها حتى الآن
    الزمن يتحرك ولا يعود للوراء

  5. أدام الله بصمات قلمك الرائعة,,,,
    إن العقل إذا تجاوز حدوده المنوطة به للاستخلاف في الأرض يبدأ يبث مثل هذه الافكار
    دائما – خذها مني – تعامل مع عقلك كأنه سفينةانت تقودها ولا تجعله يقودك فتهوى في مكان سحيق .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s