ذكريات الطفولة – واجب تدويني –

قياسي

واجب ممر من هيفاء (L)

.

.

لذيذ جدًا أن أتحدّث عن طفولتي ، الوجه البريء والقلب الطاهر والسذاجة الحقيقية .

أبعد ما أستطيع تذكره هو منزل جدّي في ” عدن ” ، حيث كانت أمّي تعلّق المسجل على مسمارٍ صغير في باب المطبخ ، لتستمع إلى الصوت الأعذب ” أحمد العجمي ” وهو يقرأ القرآن .

كان عمري حينها 5 سنوات ،  وفي كلّ مرّة أستمع فيها إلى صوت أحمد العجمي الآن ، أشعر برائحة المنزل الساحر ودفء المكان وهدوء أمّي ومزاح أبي ، كان أبي ولا يزال يحبّ المزاح واللعب معنا ، وأتذكّر بأنّه كان يغطّي يديه بالحنّاء ثمّ يخيفنا قبل أن يقوم بصبغ أجسادنا الصغيرة بها وتركنا تحت الشمس .

أتذكّر أنّه اشترى لنا مرّة مسدسات ماء على شكل سحالي وضفادع ، أتذكّر جنوننا وعبثنا وجرينا البريء .. أكتب هذه الذكريات وأنا أحلم بآلة زمنٍ سخيفة تعيدني إلى ذلك العهد ، أو ربّما أطلب إلى الله في الجنّة أن يغمسني للحظةٍ في نعيم منزلنا الصغير  .

ثمّ ماذا حدث ؟ اتصلت جدتي مرّة وقالت لي بأنّ عليّ العودة إلى صنعاء لأنّ السنة الدراسية سوف تبدأ ، متى كنتُ في صنعاء ؟ حقيقة لا أتذكّر من فترة طفولتي المتقدمة في صنعاء إلاّ شيئًا يسيرًا من أحداث الروضة :  معلمتي منى ، صداقتي بمحمّد ابن خالتي وأخي ، زياد وأحمد جازم وإيمان ورقية .. أصدقاء طاولات الروضة ، الصلصال الذي كان يأخذه زياد ويطبعه على حذاءه ثمّ يدهشنا بالأشكال الجميلة الناتجة ، نشاطي وحماسي الزائدين ، أناشيد الوردة البيضاء والوردة الصفراء ، أمممم ماذا أيضًا ؟ لا أتذكر 🙂

قدِم خالي من صنعاء وركبتُ معه الطائرة ، كانت المرة الأولى التي أركب فيها طائرة .. بعد وصولي إلى صنعاء بفترة بسيطة بدأت حرب الإنفصال في عام 1994 ، أي حين كان عمري 6 سنواتٍ أو أقل .

وذكرياتي عن الحرب مظلمة جدًا ،  حيث والدي ووالداتي واخويّ في عدن – مركز الحرب – وأنا لا أعرف عنهم شيئًا ، كانت الكهرباء مقطوعة على الدوام ، ولا أحد يخرج من المنزل ، كنّا نسمع صوت الطائرات والصواريخ تكاد تهزّ الأرض تحت أقدامنا ، وأتذكّر نافذة خالتي المكسورة التي حسبنا أنّ الحرب صنعت بها ذلك ، بينما اكتشفت قبل شهرين أنّ محمّد ابن خالتي هو الفاعل واتّهم الحرب حينها ليواري عن جريمته 🙂

انتهتِ الحرب بفضل الله بعد أن خلّفت خلفها من الخراب والضحايا ما خلفته ، بعد 6 شهور أخبرني خالي بأنّ لديه مفاجاة عند باب المنزل ، خرجتُ أجري فوجدتُ أمي وأبي وأخويّ أمامي .

الَّذين يتركون أحبابهم خلف الحرب ثمّ يصادفونهم عند الباب دون موعدٍ سابق يعرفون معنى الفرح جيدًا .. شكرًا يا الله  🙂

.

.

أحاول الآن وصف فترة طفولتي ، أجدني أصف إحسان بما هي عليه الآن ، لم يتغيّر الشيء الكثير .. وما تغيّر فهو في طبيعة الحال – إلى الأسوأ – !

أكثر الكلمات التي سمعتها في طفولتي هي : ركزي ، إنتِ تحفة والله ، بسرعة ليش إنتِ بطيئة كذه ؟ ، إحسان يا ….. >> كلمة غير سيئة لكنني  اكرهها جدًا ولا أحبّ كتابتها ، كان الجميع ينتقدونني دائمًا ، ولا ألوم أحدًا لأنه فعل ذلك ، أعرف بأنني كائنٌ لا يُطاق .

ما زلتُ أسمع هذه الكلمات حتى الآن 😀 ، ما زلتُ شديدة السرحان ، ضعيفة التركيز ، لا أهتمّ بعامل الوقت ، تحفة ،  ما تغيّر هو أنّ إحسان الطفلة كانت لا تعرف كيف تتألم عندما ينعتها أحدهم بهذه الألقاب ، كانت تشعر بأنّ الآخرين على حقّ فيما يقولونه ، لكنّ إحسان اليوم تعلّمت كيف تحزن لذلك – مع الأسف – .

كان فناء بيت جدتي صغيرًا ببابٍ خشبي مهترئ ، لكنه كان يتسع للكثير من النباتات ، وأجمل من صادقتُ في طفولتي هو نوعٌ من أشجار الصبار الّذي تلتف اوراقه بشكلٍ جميلة مكونة شكل ” وردة ” ، لم أشاهد مثلها إلاّ على الإنترنت .

في كلّ يوم جمعة كنتُ أخرج لأنشر الغسيل لجدتي ، وكنتُ أحمل دلواً أحمرًا أسقي به هذه النباتات ، كنتُ أتحدث مع كلّ واحدةٍ منها ، وعندما تخرج نبتة جديدة  أُقيم احتفالاً وأهنّئ أمّها بها 😀 😀 .

زرعتْ زوجة خالي مرة بعض الزهور ، وعندما هممتُ لأسقيها ، خرجت سحلية من بين الأوراق تجري على ” يدي ” و … لا تسألوا عما حدث بعد ذلك !

أول صديقات طفولتي ” إيمان وإسلام ” ، كنّا نشكّل مراتب الدين معًا ، أتذكر صديقتي دعاء أيضًا ولا أعلم عنهنّ أيّ شيءٍ الآن !

أكثر الألعاب التي لعبتُ بها هي : الليقو ، كان خالي وخالتي يحضران لنا كميةً منها في كلّ سفرٍ إلى الخارج ، واعتقد بأنّ لها أثر إيجابي وجيد جدًا على الأطفال ، كما أنّ رواية ” عالم صوفي ” تصفها بأفضل لعبة في العالم .

لي دمية أيضًا أحضرتها خالتي من ألمانيا في ” أول تمهيدي ” ، لطختُ وجهها باللون الأزرق كنوع من المكياج 😀 وكذلك فعلت ابنة خالتي بدميتها ، اليوم ما زلتُ أحتفظ بدميتي ووجهها الملطخ ، بينما استطاعت ابنة خالتي إزالة هذا المكياج عن دميتها بالبترول !

أمممم ، وكبرت قليلاً .. وأصبح لي ذكريات سياسية كثيرة ، ذلك لأنّ أغلب أحاديث وحوارات أهل أمّي الّذين عشتُ معهم سياسية وفكرية ، لي ذكريات حول صدام حسين رحمه الله ، لم أحبّ هذا الرجل منذ صغري ولا أستطيع تقبّل فكرة أن يكون بطلاً ، ذكريات حادثة وفاة الأميرة ديانا وصورها التي انتشرت في كلّ الجرائد ، ذكريات انتخابات مجلس النواب في اليمن والحرب التي كادت ان تحدث بيني وبين صديقاتي في الإبتدائية بسبب اختلاف أحزابنا ! ذكريات حول ياسر عرفات رحمه الله ، ذكرى استشهاد المهندس يحيى عياش ، ذكرى وفاة إسحاق رابين .. وغيرها .

في فترة ما من طفولتي عشت ” هوس المكتبات ” ، كنتُ أخرج مع أبناء خالتي تقريبًا كلّ يوم لنشتري المزيد من الأدوات المكتبية واللواصق  😀  .

وعندما كنتُ أدفع ثمن أشيائي للبائع في ” مكتبة الفاو ” ذات مرة ، لمحتُ كتيبات ( العائدون إلى الله ) على الرفّ فاشتريتها ، كانت أوّل قراءة جادّة لي لكتيب او كتاب .

على كلّ حال علاقتي بالقراءة في طفولتي كانت جيدة ، كرتون صغير في الزاوية بين سريري وسرير ابنة خالتي نضع فيه عشرات الأعداد القديمة والحديثة لمجلة ماجد وميكي نقرؤها قبل النوم وعند تناول طعام الغداء ، وعندما كبرتُ – في الصف الخامس والسادس – صرتُ أقرأ مجلة الأسرة وملحقها مساء وغيرهما .

.

.

ما لم يمت /

العديد من الأشياء التي كنتُ أحبها وأمارسها في طفولتي مستمرّة معي حتى الآن .

ما زلتُ أحبّ مشاهدة أفلام الكرتون القديمة : زورو والفتى النبيل وليدي أوسكار وغيرهم ، ما زلتُ أستمع إلى أشرطة ” سنا ” وأستمتع بها ، وعندما أسمع إعلان ألبومات ” فرقة طيور الجنة ” القديمة أحنّ إليها جدًا واتمنى الحصول عليها .

ما زلتُ أقرأ مجلات ديزني قبل النوم ، وأعيش مع بطوط وزيزي والأشقياء الثلاثة ، ما زلتُ أحبّ تصغير عقلي أحيانًا والعراك بجدية مع أخوي الصغيرين احمد وألفة .

ما زلتُ ساذجة وبريئة وهبلة في الكثير من الأوقات ، ما زلتُ أخاف من الابتسامة للكاميرا أثناء التصوير !

ما زلتُ مستعجلة ومتهورة وغبية ، تمامًا مثل استعجالي في فترة طفولتي .. مثل شرائي للعديد من الأشياء غير ذات النفع بغرض بيعها للكبار !

.

.

أعرف بأنّني إذا استمريتُ في الحديث فلن أسكت ، طفولتي تسحرني كثيرًا ، لقد كانت حياة رائعة والله .

انتهت طفولتي مبكرًا ، في اللحظة التي انتقلتُ للعيش في المملكة .. وتجرعتُ الغربة والألم والفراق منذ سنّ الـ ثانية عشرة .

ورغم ذلك ، فقد كانت الغربة جميلة أيضًا ، تجربة يمنحها الله للكثير من الناس ليصبحوا أقوى وأقدر على مواجهة الحياة .

الطفولة جميلة والغربة جميلة والثانوية جميلة والجامعة جميلة .. حياتي يا الله كانت كلّها سلسلة من الجمال والدهشة والإثارة !

.

.

لذلك انا أخاف من المستقبل .. كثيرًا 🙂

.

.

شكرًا هيفاء ، عرفتُ منذ البداية أنّ هذا الواجب سوف يمرّر لي بواسطتكِ 😀 😀

Advertisements

8 responses »

  1. ذكريات رائعة يا إحسان 🙂
    ماشاء الله طفولتك زاخرة بالعديد من الأشياء الجميلة والمغامرات أيضًا 😀
    هناك أشياء مشتركة في طفولَتَيْنا كما أن هناك أشياء مشتركة بيننا الآن ايضًا ؛)
    الوردة الحمراء والوردة الصفراء والوردة البيضاء
    كذلك ؛ هَوَس المكتبات وبدايتي الفعليّة مع كتب ( العائدون إلى الله )
    مممممم ماذا أيضًا ؟
    بداية قراءتي للمجلات بدأت مع الأسرة ومساء أيضًا =)

    استمتعتُ كثيرًا كثيــــــــــرًا
    شكرًا لأنّك شاركتِنا ذكريات أجمل محطّات العمر وأكثرها براءة ^_^

    (L)

  2. يااااه ، طفولة مممتعة
    لما ذكرت أول كتاب قرأتيه ، وجف قلبي وأنا أتمتم ربي يحفظ عليك ذاكرتك ؛) …
    سأحاول أن أبدأ جديا في حل واجب هيفاء

  3. يآه..لقد كانت طفولتك هادئة وطفولية حقا !
    ذكرتني بأشياء كثيرة،فشلي في الزراعة وكأنها لم تكن حرفة عائلتي
    حبي للحشرات تحديدا”النمل” الآسر !
    جنازة الملك حسن الثاني ووفاة الأسد رحمهما الله،وديانا التي لم أكن أفهم من قضيتها شيئا _ولازلت_
    موقف كلما تذكرته شعرت بالحزن والخجل من تصرفي الغبي،كنت في الصف الثاني الإبتدائي،سمعت صديقتي تنشد أحد أناشيد “سنا” وقلت لها بأسلوب لايخلو من تقليد الأساتذة _للأسف_:لو كانت موجودة في المقرر ماحفظتيها!..لازلت أهزئ نفسي على تلك الغلطة وأعتبرها أكبر جريمة مارستها في الطفولة.

    لاتخافي من مستقبلك فالله أعطاك العقل والقلب اللذان سيسليانك هناك

    أتدرين قررت أن أمرره لك منذ أن عرفت أنه ممرر لي 🙂

  4. واو يعني انتي اتولدتي في بيئة حرب واشياء زي كده

    سؤال بما انك مخضرمة اش كان الوضع وقت حرب الخليج ؟

    انا اقل اختي الصغيرة دايماً يا تحفة 😀 طبعاً بسبب بعض التصرفات
    بس ترى اغلب التحف الي يفكرو وتحسهم يخططو خطط شريرة وهم صغار يطلعو اذكياء لمن يكبرو

    اما سنا وزورو تى دي قوية مررررة تخيلي نفسك وحدة طول وعرض وقاعدة متحمسة مع زورو !!
    لازم تسيبيها بس بشعور منك انها مهي جاذبة

  5. الوضع أيام حرب الخليج .. أممممم ، كان عمري سنتين ولا أتذكر شيء منها !
    لكن أتذكر خالتي كانت تقول لي / صدام حسين لو جاء في غير زمانه لقال أنا ربكم الأعلى !

  6. اااووه ما كنت أدري أن لديك طفولة ملئية بالمغامرة وحرب وزورو وليدي أوسكار :mrgreen:
    أحلى شي أنك ما زلتي محتفظة ببعض من طفولتك .. يناسووو عليكي 😦

    وياحظك حليتي الواجب .. مدري متى بأسويه انا كمان هههههههه

  7. احسان: مريت على مدونتك وانا ابحث عن ناس يحكوا عن طفولتهم أيام حرب الخليج

    جميلة جدا ذكرياتك، اجمل ما في الموضوع انك ما زلت تعيشين طفولتك ولم تدفنيها 🙂

    انا كنت 8-9 سنوات وقت حرب الخليج الثانية، وهربنا الى مكة، وقصينا اجازة طويلة جدا (أظن 4 شهور)

    كان تلفزيون السعودية اخبار طول الوقت وما كانوا يجيبوا افلام كرتون يعني زهق في زهق، وكويس انه امي دقت على باب جيراننا تعرفنا عليهم

    صرنا نلعب على سطح البيت، ولما تنزل المطرة تتكون مستنقعات جنب الجبال ويبدأ الأولاد بتجميع الضفادع عشان يفلتوها فوق السطوح

    ما اجمل تلك الذكريات (ما كنا حاسين انه حرب ولا حاجة)

    حتى انهم كل ما اعطوا خبر انه بيمددوا الاجازة كنا احنا والجيران نطط من الفرح (استغفر الله الناس تحارب واحنا ما همنا الا اللعب)

    ويوم حرروا الكويت رجعت افلام الكرتون وكانوا بيعرضوا اظن بوليانا أو هايدي 🙂

    لكن يا ترى الناس اللي كانوا عايشين في المناطق اللي انضربت (الخفجي – المنطقة الشرقية) هل في احد يعرف ناس تحكيني؟ أنا عندي انطباع ان هذه المناطق كانت كمدينة الاشباح..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s