عمليّة تجميل .. لوجهٍ بلا ملامح !

قياسي

امرأةٌ ..

دميمة الوجه ، قبيحة المنظر ،  جاحظة العينين ،  مصابةٌ بحولٍ غريب حتّى لا تدري إلى أين تنظر ، مترهلّة الجسم ، لها أسنانٌ محطّمةٌ تقريبًا ، إذا همّت بالحديث فسوف يقفز إلى ذهنك سؤال من نوع : هل تستطيع امرأةٌ مثل هذه قول كلماتٍ مرتّبة ؟

ورغم ذلك ، فهذه المرأة الَّتي لا أعرفها ولا أعرف اسمها .. لم أجلس معها يومًا ولم نتبادل أكثر من السلام .. إذا ابتسمت .. إذا ابتسمت فحسب .. إذا ابتسمت لا أكثر وظهرت أسنانها المشوّهة ، فإنّها تهديني سعادة الكون بأسره !!

تجبرني على الابتسامة ، الفرح والجنّة والهواء الذَي لا يشبه شيئًا .. تتفجّر من بين شفتيها الضخمتين إذا ابتسمت حتّى لكأنّ السماوات والأرضين اتفقت على الابتسام معها !

أريد أن أقول لها هذا .. أن أخبرها بأنني أحصل على سعادة جديدة كلّما مرّت أمامي ورمت ابتسامة فوضوية ، لا لون لها .. لا طعم ولا رائحة !

مهما كانت اللوحة الَّتي أمامنا جميلة .. فإنّنا لن نقف أمامها أكثر من ربع ساعةٍ لمطالعتها !

ومهما كانت الوجوه الَّتي نعيش معها برّاقة ، فإنّ هذا البريق سوف يطفوا في أحد الأيام .. سوف نعتاد على ذلك الضوء والجمال الماديّ ولن يثير دهشتنا لفترةٍ طويلة !

لا شيء خالدٌ كـ الروح .. وحين أتحدّث عن ” جمال الروح ” فانا لا أقول كلامًا مجازيًا أو مثاليًا أحاول به مواساة الَّذين ابتلاهم الله بالقبح أو قلّة الجمال .. إنّني أتحدّث عن حقيقةٍ بديهية ، نعرفها جميعًا لكنّ أعيننا قد طُمس عليها بـ ” شطرطون الإعلام ” .

سوف يمتدّ عمر الوجه إلى سنواتٍ وسنوات ، ثمّ إنّه – مهما امتدّ عمره – سوف يتحوّر في القبر إلى تراب ، وسواء أكان جميلاً أم قبيحًا سوف ينتهي به الأمر إلى هيكلٍ عظمي يبتسم بطريقة بلهاء ويخيف كلّ من يلتفت إليه !

أمّا الروح .. الروح تصعد إلى السماء حتّى لو مات الجسد وانتهى ، وهي من تحدّد – وحدها – إن كان مرحّبًا بها بين الملائكة أو كانت ملعونة !

هل تعرفون كيف تجمّلون أرواحكم وتزينوها بالشرائط والألوان المتناسقة ؟

ليس أكثر من أن تحبّوا الله وتحبّوا الناس وتحبّوا أنفسكم جيدًا ..

.

.

الأساطير اليونانيّة القديمة روّجت لأبطالٍ خرافيين لا مكان لهم بين حواسّ الناس فلم يستطيعوا الوصول إلى تفاصيل حياة العامّة مهما عظمت بطولاتهم !

أمّا أساطير القرن الواحد والعشرين .. فإنّها تروّج لأبطالٍ يرونهم النّاس أمامهم ويتفاعلون معهم ، يسمعون أصواتهم .. فيبكون لبكائياتهم ويضحكون لسعادتهم ، إنّها أساطير السينما والتلفاز وعارضي الأزياء بكلّ بساطة !

لكنّ الأساطير تبقى أساطير ، والكذبات تبقى كذبات .. لا توجد فتاةٌ بجمالٍ لا يشوبه كدر ، لا يوجد شابٌ مثالي تمامًا ، ثمّ من خبّئ لنا في هذه الأساطير معايير الجمال الَّتي يجب أن نأخذ بها ؟

من حدّد لنا الطول المناسب والبشرة المناسبة والوزن المناسب واللون المناسب ؟

من وضع لنا حدودًا أمام أعيننا للجمال حتّى أنّنا لا نرى سواها ؟

من قال أنّ الفتاة النحيلة أجمل من الفتاة الممتلئة ، وأنّ الفتاة البيضاء أجمل من الفتاة السمراء ، وأنّ الأنف الكليوبتري أجمل من الأنف الأفطس ؟

إنّ الجمال لا شروط له ولا حدود ، ولكلّ إنسانٍ الحقّ في أن يرى الجمال بصورةٍ مختلفة عن الآخرين ، أن يضع لك الآخرون معايير محدّدةً للجمال هو إذلالٌ وإهانة ، وأن يطللبوا منكَ تغيير ملامحك لتناسب معاييرهم هو نوعٌ من العبودية يجب ألاّ ترضاها لنفسك .. يجب أن تتحرّر منها مثل خرقةٍ قديمة تحاول خنقك بدعوى أنّها وشاحٌ عصريّ جميل !

.

.

أيتها الفتيات الصغيرات .. يا معشر الأطفال الجميلين .. الجميلين جدًا

دافعوا عن ملامحكم وجمالكم بكلّ ما أوتيتم من قوّة ، لا تسمحوا لأحدٍ بتغييرها لمجرّد أنّها لم تعجبه !

خبؤوها بعنايةٍ واحرصوا عليها .. إنّها بكلّ بساطة جزءًا من ” أناكم ” الَّتي أهداكم الله إياها .. وهدايا الله جميلةٌ دائمًا حتّى لو لم تعجب الآخرين !

وإذا بكيتم يومًا أمام المرآة لانّكم لستم جميلي المنظر ، فتذكّروا أنّ جمال الجسد ليس أكثر من قشرةٍ مهترءة ، وأنّ ما خلف هذه القشرة هو الأهم .. لأنّ الملائكة سوف تنظر إليه إذا استقبلتكم في السماء يومًا ، ولأنّ الله لا ينظر إلى صوركم .. ولكن ينظر إلى قلوبكم .

.

.

تحكي لي أمّي عن امرأة موسومةٍ بالجمال مشهورة به ، طلّقها زوجها ليتزوّج من فتاةٍ ليس لها حظّ من الجمال إلاّ كحظّ الصخر منه !

لم تبكي المرأة أو تشتمه ، نظرت إلى نفسها فقط وقالت : أستحقّ الطلاق .. كم كنتُ مغرورة بجمالي عاجزةً عن تقديم أكثر منه !

Advertisements

29 responses »

  1. بالرغم من أنني لم أعرفك إلا من إيام قلائل ,,
    إلا انني احببت روحك الطيبة ,,
    حماك الله ,, سعيدة جدا بتواجدي هنا ,,
    بالتأكيد لن تكون المرة الأخيرة ,,^^

  2. التنبيهات: Tweets that mention عمليّة تجميل .. لوجهٍ بلا ملامح ! « إحســــان -- Topsy.com

  3. برافوو إحسسان ..

    الجمال لن يدوم طويلآ .. فالزمن لن يتركه

    هكذا براقا .. اذن يجب أن نعي جميعا

    بأن من تدوم ..

    هي ارواحنا التي تتلاقي في سماوات عليآ ..

    فالجمال يُسكِر للحضات فقط .. ثم يزول

    .

    اللهم طهر ارواحنا من النفآق .. والكبر .. والغررو .. والفحش

    .

    إحسان .. سلمت روحك الجميلة (:

  4. مقالة رائعه جدًا صدقت

    معايير الجمال تختلف من دولة لأخرى ومن عين لأخرى

    لكن الإعلام يفرض صورة نمطية لمعايير الجمال تفرض على الفتيات اتباعها

    مقالة بديعه أختي فشكرًا لك

  5. إحسان ،، أرى أنكِ بالغتي كثيراً في وصف الإمرأة القبيحة
    لا أتخيل أن هناك أحد بهذا القبح الذي قد وصفتيه ،،
    لم أتخيل أحد بهذا المنظر أبداً ربما في خيال الكارتون مثلاً فقط .. (((:

    نعم جمال الروح يطغى ولكن لا بد من جمالاً البدن أيضاً و الهيئة ،، (:

    ولكن المقال رااائع ..
    سَلمتِ ..

    -إنّ الجمال لا شروط له ولا حدود ، ولكلّ إنسانٍ الحقّ في أن يرى الجمال بصورةٍ مختلفة عن الآخرين

    ((((:

    أسعدكِ ربي ووفقكِ لك خير ..

  6. عندما سلّم الناس عقولهم لصنّاع الإعلام و صياغتهم المشوّهه لمقاييس الجمال ، فشلنا في المحافظة على ملامحنا من عبث الجرّاحين او حتى من كريمات التبييض و التسمير ! وما هي الا مؤامرة تجارية بحتة لا تدف إلا الى الربح المادي فقط ولو طالعتي الصحف الفضائحية لوجدتي الكثير من الهوس المجتمعي بالتجميل و “تغيير الخلقة” وكأن الأنف الـ “فراولة” هو جواز سفري نحو قبول مجتمعي غير مشروط ، أو أن الجسم النحيل “مقاس 0” هو المطلوب بل الواجب !

    المجتمع يخضع لأشبه ما يكون بعملية غسيل الدماغ او التوجيه المنظّم بطريقة معينة تجعله يتبنى صوراً نمطية لا تنفك عن تهميش الخلقة الأساسية للإنسان و تهدف إلى تغييرها او الحطّ منها إن لم تكن على القدر المطلوب من الـ “تشويه” الذي ترغبه هذه الوسائل الإعلامية..

    ليس ذلك فحسب بل التقليد الذي أعمى المبصر و زاد الأعمى “عمى” هو سبب رئيس في تفاقم أزمة الجمال لدينا..!

    تقريباً شبه أسبوعياً تردني رسائل كلها تحطيم ، شوفو فلانه، هذا الجمال الرباني وغيره وغيره ! وأتساءل أيننا من جمال الروح؟

    كلماتك يا إحسان دائماً مميزة ، إستمري شكر الله لكـ !

    محبتك دوماً /

  7. لو اننا نرا بعيون قلوبنا

    لميزنا حقا بين الجميل والقبيح ،،

    شكرا لك احسان واحسن الله اليك ،،

  8. جمال الروح وطهرها مفتاح القلوب
    اما الجمال ماهو الا منظر قد نستسيغه او لا
    ف ليس بالجمال نُقيم علاقاتنا ونوطدها.

  9. وإذا بكيتم يومًا أمام المرآة لانّكم لستم جميلي المنظر ، فتذكّروا أنّ جمال الجسد ليس أكثر من قشرةٍ مهترءة ، وأنّ ما خلف هذه القشرة هو الأهم .. لأنّ الملائكة سوف تنظر إليه إذا استقبلتكم في السماء يومًا ، ولأنّ الله لا ينظر إلى صوركم .. ولكن ينظر إلى قلوبكم .

    .
    .
    للأسف هذه الحقيقة اللي دائمًا نغلق أعيننا عنها، ويصير تأثرنا برأي الناس أقوى منها !
    تسلم يدك يا إحسان على هالمقالة الرائعة ..

  10. صدقتِ، الجمال جمال الروح، وهذا ليس كلام يقال فقط، بل أن من يجعل قراره مبني على جمال ظاهري فهو شيء مؤقت سيملّه الشخص بعد عدة ايام أو اسابيع.

    شكراً لك على هذا الموضوع

    تساؤل بسيط.. لم افهم الربط بين المقدمة والمحتوى.. فقد وصفتي المرأة بالقبح و عددتي الأسباب.. ومنها اللون!! ثم قلتي أن الجمال لانعرفه ولانحدده.. مممكن توضحين أكثر؟

    ملاحظة بسيطة: كان والدي اذا تكلم عن شخص وأراد أن يقول انه دميم الوجه، يلحقها فوراً بقول “خلق الله حسن”،، و شخصياً أعجبني اسلوبه واتبعته… وبس ^^ حبيت اشارككم اياها لعل منكم من سيعجب بها ايضاً

  11. مرحبا أخي / أختي ..
    أنا لا أنكر الجمال الجسدي للإنسان ، قلّلت من قيمته أمام الجمال الروحيّ + وضحتُ كارثة وجريمة أن يحدّد لنا الإعلام معايير خاصّة به يجبرنا على اتباعها 🙂
    إذًا المرأة التي وصفتُها ربّما تكون دميمة من وجهة نظري الشخصية للجمال الجسدي – ولي الحقّ في أن تكون لي نظرتي الخاصّة – ، لكنّ روحها الجميلة وتفاؤلها وابتسامتها الصادقة والراضية تجعلني أرى وجهها الدميم جميلاً وأنسف كلّ تلك المعايير الماديّة التي استحضرتُها ساعة رأيتُها .

  12. كل ما خلق ربي جميل 🙂

    موضوع رائع إحسان، فعلاً الجمال جمال الروح ، عمليات التجميل تضر أكثر مما تنفع وتسبب للمرء حالة من الاضطراب تسترق شهرين تقريباً حتى يعتاد على شكله الجديد << خبر علمي اذكر قرأته من زمان 🙂

    ومساحيق التجميل المبالغ فيها كمان مدري ايش تبغا ، اذا على الألوان فالمهرج في السيرك أطلق واحد في الجمال :mrgreen:

    دمتِ بخير عزيزتي =)

  13. الله يعطيك العافية

    مقال جميل و مفهوم يستحق التوعيه في زمن كثرت فيه المطالبات بتغيير الجلد لمواكبه الجمال و اهمال عميات تجميل الأرواح التي هي المنبع الحقيقي للجمال
    بوركت

  14. راااااااااااااااااااااااااااااااااااااائع ماكتبته
    ليت العالم يرى الجمال بتلك الرؤية التي وصفتها يا إحسان

    شكــــرا لك

  15. مقالة رائعة, كثيراً ما أصادف متوسطة الجمال أو حتى أقرب إلى القبح و أراها رائعة الجمال مقارنةً بمن هم أجمل وجهاً و أقبح روحاً..
    دائماً أمي كانت تقول لي, ماذا يفيد الوجه الجميل إذا كان سيُلعن كل يوم على ما يخرج من فمه و ينبعث من روحه ؟
    و لهذا اخترع الغرب التعبير الشهير Plastics للجمال الخاوي
    سلمت يداكِ 🙂

  16. مقالة رائعة وتحليل أروع..
    فعلا اصبنا بلوثة جنون اسمها الجمال الافلاطوني…
    ومن المؤسف ان نسعى الى جمال وضع معاييره اناس آخرون ربما لا نعرفهم او لا نرهم!!
    تماما كالازياء والموضة والديكور وغيره..
    فأصبحت الوجوه وعمليات التجميل تابعة للموضة والديكور اللذان يحتاجان الى تغيير..
    ومن العجيب ان المعايير تنقلب بعد عدة سنوات..
    فالفم الرقيق الصغير كان مطلوبا “زمان”.. واليوم الفم المكتظ او “البراطم” هو المطلوب..
    رغم انه جمال مشوه لانه لا ينطبق مع التركيبة التي وضع الله عليها بقية الوجه!!
    سبحان الله.. كلما تفلسفنا في انفسنا وغيرنا من خلق الله..
    كلما شعرنا بالجوع والنهم لتغيير المزيد.. حتى اصبح الجمال لا جمال..
    انما عبثية وتلاعب بالعقول والمفاهيم!!
    بورك قلمك يا احسان 🙂

  17. يالله يا إحسان
    هذه المبادئ نعلمها
    ولكن التبلد الذي يصيبنا عن جعلها قيم مطبقة محبط جدا

    شكرا لروحك ياسونة 🙂

  18. من الرائع أن تكون لدينا القدرة على رؤية الجمال الداخلي قبل أن تحكم عيوننا بغرورٍ على تلك الصورة التي تقف أمامنا لأناسٍ فيهم ما هو أحلى وأجمل وأثمن من كل الصور.
    من الرائع أن تكون لنا القدرةعلى ألا نكون سطحيين .. محدودين .. كمن يحكم على الكتاب من غلافه!

    موضوع رائع.. سلمت يداك!

  19. رائع كروعة روحك سونا 🙂
    والأجمل إذا أجتمع الجمالين الجسدي والروحي معاً .. ^_^

  20. تدوينة رائعة كان يجب الوقوف عندها لإبداء الإعجاب
    ننتظر جديدِك المميز
    مع خالص تحياتي

  21. الجمال حــر فلما نضعه في إطار ونرفعه على الحائط ليكون عرضتا لنظر والتعليق لما وهو يستطبع أن يكون غامضا لا تعرفه إلا بأسرار شئيا ينقـر بداخل وتستشعره في عجوز شمطاء , أو مريض منغولي , أو حتى أطفال أفريقيا النصف إحياء ..

    جمالي الحقيقي هو إيماني بربي وسأعمل على ذلك حتى أكون أجمل جميلات الكــون ..
    رائعه حقــا ياأستاذتي .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s