نساء فاسقات ..

قياسي

قال تعالى في سورة النور ( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ )

.

.

” شاهدوا فتيات جدة الداشرات ” ..

أتذكر أنّي قرأت هذا العنوان صدفة  لموضوع في منتدى متطرف / مفرّط ، وتنبّأتُ بأني سأشاهد صورًا خليعة لفتيات مراهقات أو على الأقل بعض اللقطات السفيهة والمريضة لنساء لا يحسبن على جدّة وأهلها ، ترددتُ وأنا أضغط على الرابط خشيةً ممّا سأراه ، لكنّي فوجئت برؤية صور عادية جدا لمجموعة من النساء المحتشمات مع أحد وجهاء المجتمع ، وكان أن تتابعت التعليقات التي تصف الفتيات بالعهر والفسق والخنا !

فكرتُ كثيرا ، ما الذي يدفع رجلاً إلى النيل من أعراض مسلمة بهذه السهولة دون أن تكون قد اقترفت ذنبًا ؟ كيف يمكن لشخص سوي أن يرمي فتيات غافلات بالعهر والفسق لمجرّد ظهورهنّ كاشفات الوجه ؟

هذا المجتمع مصابٌ بمرض عضّال اسمه ” المرأة ” ، وبينما يقول نابليون : فتّش عن المرأة ، فإنّ أغلب رجالنا لا يحتاجون إلى هذه النصيحة في ظلّ تواجد المرأة في جميع صراعاتهم ، على أنّهم – رغم هذا –  يخيرونها بين الصمت وبين أن تتحدّث بما يوافق أفكارهم وقيمهم الخاصّة .

حسنًا ، ماذا يحدث للمرآة التي تقرر الخروج وطرح أفكار جديدة لم يألفها الرجل المنتفخ ذكورياً ؟

الرجل يقارع فكرة أخيه بالفكرة ، لكنّه يقارع فكرة المرأة بالقذف والنيل من عرضها علّه بهذا يستطيع إسكاتها في مجتمع يسقط المرأة التي نيل من سمعتها في الدرك الأسفل من النار  حتى لو أنّ جاهلاً وسفيهًا هو من تحدّث عنها  .

نادين البدير كمثال نالتها ألفاظ القذف والشتائم اللاأخلاقية ، وعلى الرغم من أنّي أختلف معها من أخمص قدمي وحتّى دباسات شعري فإنّي أستقبح اللجوء إلى القذف والتعريض بدلا من مناقشة أفكارها ودحضها ، لماذا فعلوا ذلك ؟ فقط لأنّها ” امرأة ” ، والنيل من سمعتها أسهل بكثير من النيل من أفكارها !

سوف يدهشك أن تعود إلى الأفكار الشاذّة أو الجديدة الّتي طرحتها نسوة في المجتمع لتكتشف بأنّها قوبلت بالشتائم والقذف وهتك الأعراض بينما لا تجد المرأة من يرد عليها وينتقدها بتعقل ووعي ، هذا يقود – في المقابل – إلى ظهور شريحة منافحة عاطفيًا تبدئ محروقة بالدفاع عن عرض المرأة وسرد مناقبها الشخصية ليضيع دم ” الفكرة ” بين القبائل !

.

.

ما يؤلم بحق هو الأقلام التي تتخذ من الدين قناني لأحبارها ثمّ هي تندفع مسيئة – بحديث مقرف – عن الفتيات وتخوض في أعراضهنّ وترميهنّ بالفسق ، ألم يدرس أمثال هؤلاء عن كبائر الذنوب في الدين الذي يعبّؤون أقلامهم به ؟ ألم يعرفوا بأنّ الله يغفر ما بينه وبين الناس ، ولا يغفر ما يؤذي الناس به بعضهم ؟

سورة النور التي حملت آداباً وعقوبات اجتماعية أسهبت في تبيان عظيم هذا الذنب عند الله :

إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ ( ١٥ )

وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ  ( ١٦ )

يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( ١٧ )

إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( ٢٣ )

يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( ٢٤ )

.
.

حسنًا ، بالنظر إلى الموضوع بشكل شخصي فأنا لا أكشف وجهي ولا أقبل التقاط صور مع رجل أجنبي عنّي ثمّ إنّي لا أؤيد السماح بقيادة المرأة للسيارة في وضعنا المدني الحالي ولا أؤيد أغلب حركات التحرر النسائية ، لكنّ هذه مجرّد قناعة شخصية لا تسمح لي حتّى بالنظر إلى من تفعل ذلك على أنّها أقلّ منّي احتشامًا أو خلقًا .

فارق كبير بين مقارعتنا الأفكار ومقارعتنا الأخلاق ، حتى أسوئ الناس مذهبًا قد تكون له أخلاق جيدة ومن المعيب جدًا أن ألجئ إلى النكال بها عندما تفلس أفكاري عن مواجهة هذا المذهب  .

ثمّ إنّ الواثق من أفكاره لن يلجئ إلى الخوض في عرض امرأة بريئة ، بل يفعل ذلك كلّ من عدمت حجته وأفلست أفكاره .

 

إضافة ثرية من الأستاذة مها باجنيد :

يعد هذا النوع من القذف مغالطة فكرية تسمى Ad hominem
ومفتضاها التهجم على الشخص لاشغال الناس عن النقاط المطروحة أو لهز ثقة الناس بكلام المدعي عليه
طبعا، في مناهجنا لا يتم تدريس علم التفكير أو النقد المنطقي، ولذلك نجد هذه الظاهرة متفشية عند الكثيري، فيهبون لمهاجمة الشخص واتهامه، واحيانا اتهامهم بالعمالة أو التجنس أو انمائهم لطائفة دينية ضالة او احيانا الحكم عليهم بأنهم يعانون من "حالة نفسية" أو "مطلقة معقدة"
من أشهر الأمثلة هي ما حدث مع
Mark Furhman
 وهو يدلي بشهادته ضد أو جي سيمبسون، ثم ما لبث ان أتهم بالعنصرية ضد السود فسقطت شهادته
Advertisements

9 responses »

  1. رغم أني بدأت التفكير الجدي في عدم الخوض بأي مسألة سعودية المسقط والمنشأ، إلا أنني سأكتب هنا من باب أن قضية المرأة هي قضية المرأة، وأن الرجل هو الرجل سواء كان في لاس فيغاس أو بريدة.
    التعالي على القيمة الأنثوية في مجالات الحياة أو الترفع عن مناقشة الأفكار النسوية بل حتى التصنيف الذي وقعت فيه والقائل بأن هناك فكرة ذكورية وهناك فكرة أنثوية هو نوع من هذا الانتقاص الذي يجرد كلا الطرفين من إنسانيته ويصير أحدهما ملاكًا خالصًا والآخر شيطانًا محضًا!
    كل ما سبق من أبرز ملامح مجتمعنا الضعيف حتى في إبداء قوته؛ فالمظهر الذي يتخذ من القذف خط هجوم والمظهر الذي يتخذ من “مساندة” المرأة خط دفاع، كلاهما يدلان على ضعف منهجي في توليد الأفكار وبناء الحضارة.

    أكثر ما يزعجني في هذه القضية هي الفئة الثانية، التي تتأهب للدفاع رغم أنها لم تكن شجاعة “لتهاجم” القيم الجاهلية المستشرية في المجتمع، بل انتظروا امرأة تتحمل عنهم وجع “كلام الناس” ليقفوا هم مجرد مدافعين عن شخصها. عند هذا الحد أتذكر البرغوثي:
    “أين تقيم الفكرة أم فكرتهم ينقصها الأين؟
    والذئب يسن مخالبه
    ويجرب ما جربه
    لا أبصر رايات بيضاء هنا
    وأكاد أجن!”

  2. اولا عودة حميدة لمدونتك
    ثانيا
    انا معك بانه مهما اختلفنا بالاء مع الاخر فإنه ليس من حقنا ان نتعرض لأعراض والاساء لها
    لان ليس هذا هو الاصل النقاش
    ان االاصل في النقاش هو مناقشة الفكرة و ليس الشخص
    و بمقابل كراي الشخصي
    احب ان اقوم بالتحفظ في هذه المواقف لان الشمس لايمكن ان تتخبا
    (بالنسبة لبنات جدة وماقيل عنهم)
    سلمت يمناكي

  3. كلام سليم
    اتمنى ان يصل لدماغ الجميع
    لكن لا يمنع بدلو رأيي في أمر شاهدته ب ( تويتر )
    و هو الحديث عن رجال الدين بسوء لخطأ اقترفه احدهم
    و كأنهم ملائكة لا يخطؤن !
    ارى ان نكف عن اخطائهم و الاكتفاء بالنقد بالبناء – كما في مقالتك –
    حتى لا ينشأ من هم بعدنا على افكار قد تجعل منهم اعداء لرجال الدين بشكل عام !
    و لاننا في جميع الاحوال بشر ! نخطئ و ليس هناك الكامل بيننا
    حقيقة ! يزعجني جدا ماجاء من البعض في نقد رجال الدين

  4. كلام منطقى وعقلانى اتمى ن الجميع لو انه يكون له نفس المنطق والتفكير

  5. أجدتي يا إحسان .. رغم إنني أتجتنب وابتعد عن الخوض في مثل هذه القضايا إلا إنني سأعمل لتدوينتك Retweet لعله يعي لمن كان له قلب

    والقى السمع وهو شهيد .. بإختصار الكلمة مؤذية جداً جداً 😦

  6. .
    .

    حديثٌ واعٍ يا رفيقة ..
    ففُناك فرقٌ شاسع بين أن يُقذفَ الشخصُ في أخلاقهِ وبين النيلّ من أفكارهٍ أو بالأصح .. تصحيحُ أفكارهٍ وهذا ما كان الواجب أن يُفعل .

    فما الفائدة من قذفٍ أخلاقهِ سُوى أن تؤذيهٍ أولاً ونفسك ثانياً .. والناس ثالثاً بتسليطِ الضُوءْ على أمورٍ رُبما سيُتخذ العناد وسيلةً لمواجهتك فيها
    ثُم لا تأتي بنتيجةِ إلا أن كُل ذلك سيُرجعك خطواتٍ إلى الوراءْ !
    ناهيكِ عن أن يكُونُ فعل من نقذفهُ صحيحاً أو خاطئاً فالوسيلة تبقى ضد النتائج التي نتبغيّ إن أسئنا القيام بها !

    أعجبني إسلوبُكٍ في الحديث وفي توضيحِ أفكاركِ فالأمرُ قد تجلى أمامنا كفلقِ الصُبُحْ ، نفع اللهُ بكِ .

  7. اعجبني مقالك،
    يعد هذا النوع من القذف مغالطة فكرية تسمى
    Ad hominem
    ومفتضاها التهجم على الشخص لاشغال الناس عن النقاط المطروحة أو لهز ثقة الناس بكلام المدعي عليه
    طبعا، في مناهجنا لا يتم تدريس علم التفكير أو النقد المنطقي، ولذلك نجد هذه الظاهرة متفشية عند الكثيري، فيهبون لمهاجمة الشخص واتهامه، واحيانا اتهامهم بالعمالة أو التجنس أو انمائهم لطائفة دينية ضالة او احيانا الحكم عليهم بأنهم يعانون من “حالة نفسية” أو “مطلقة معقدة”
    من أشهر الأمثلة هي ما حدث مع
    Mark Furhman
    وهو يدلي بشهادته ضد أو جي سيمبسون، ثم ما لبث ان أتهم بالعنصرية ضد السود فسقطت شهادته!
    http://en.wikipedia.org/wiki/O._J._Simpson_murder_case

  8. صدقتي بكل كلمة كتبتها بأسلوبك الرائع فكم عانينا من الفكر الذكوري الجامح المسيطر على حياتنا ومهما كان الرجل الشرقي منفتح ومثقف فلا يخلو جسده من عدوى التسلط على المرأة والغاء شخصيتها الا من رحم الله ولا أحب التعميم. أسأل الله الحي القيوم أن يعين كل امرأه تعذبت من ألسنة الفاسقين وتسلط المعتوهين.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s