Category Archives: فكـــــر

أماكن شاغرة في الجنّة ..

قياسي

إلى  A W  :

فليغفر الله لي حياتكِ .. وليغفر لي مماتكِ

.

.

عندما شاهدتُ فيديو الحفل الأخير لكِ ، بكيتُ كثيرًا ، ولربّما بكا معي في نفس اليوم آلاف من المعجبين الذين كانوا يصرخون بنشوة كلّما تحرّكت بتثاقل على المسرح ، لكنّهم كانوا يبكون رحيل فتاة عرفوها ، أمّا أنا التي لم تعرفكِ أبدًا .. فقد كنتُ أبكي نفسي !

ما زلتُ أحفظ تفاصيل حزنك ذاك ، وجهك الذي لم يحاول إنقاذه أحدٌ منّا ، ذراعك المتخم بالوشم وبإبر المخدرات القذرة ، تلمسينه بيأس أسقطني خائرة المعنى ، صوتكِ الذي عرفتُ عند سماعه بأنّ الأفواه قد تدمع أحيانًا ، قال أحدهم معلّقًا عليه : لقد أجبروها على الصعود إلى المسرح من أجل مصالحهم الخاصّة .. هي لم تكن تريد الغناء !

رأيتكِ يوم القيامة ، تجرّين برقبتي إلى النار ، وخلفكِ ملايين التعساء في العالم ، رفاق المخدّرات والشياطين واليأس والأزقّة القذرة ، سمعتُ صوتكِ ذاته يخاصمني عند الله : يا رب .. لقد عاشت هذه الفتاة حياة سعيدة ، مسلمةً تعرفك وتعرف نبيّك وكتابك ، لم تجرّب المخدرات ولا حياة العهر والجوع الروحيّ ، يا رب .. لقد أتحت لها وسائل للاتصال مع الآخرين لا تنفد ، وعلّمتها كيف تتحدث بلساننا ، ويسّرت لها الهداية والاستقامة ، لكنّها لم تأت لمساعدتي أبدًا ، لقد تركتني أعيش حياة حقيرة ، وأموت وحيدةً في شقتي .. موتة حقيرة !

لقد لعنك الناس بعد موتكِ ، قالوا بأنّك عاهرة تستحقّ الموت وسخروا من ظهورك مترنّحة تحت تأثير المخدرات أمام الملايين ،  لم يفكّروا بأنّ الله ابتلاهم بكِ ، وأنّ الذي رزقهم الهداية والاطمئنان قادر على قلب صدورهم في طرفة عين ليتحولوا إلى مدمني مخدرات أو حتّى إلى قطّاع طرق !

وقف أحدهم معرّيًا الإنسانية وأبكاها حين قال : كان الأمر حزينًا جدًا ، ويجب أن تخجلوا من أنفسكم حين تتخذون من هذه الفتاة مصدرا للسخرية ، لقد كانت بحاجّة حقيقية إلى المساعدة ، لم تكن تريد الصعود إلى المسرح لكنّهم دفعوها إلى ذلك دفعًا ، هل يمكنكم تصوّر كم كانت محرجة بعد عرض هذا الفيديو ؟ إنّ ذلك على الأرجح هو ما قادها إلى الموت !

وقال آخر : لقد كانت تستجدي المساعدة لكنّ أحدًا لم ينتبه إلى ذلك ، والآن أصبح الوقت متأخرًا جدًا !

. Read the rest of this entry

Advertisements

حجاب الشرّ !

قياسي

– هل يحرّم الله شيئًا جميلاً يا صديقتي ؟
– نعم أعتقد بأنّ الله يحرّم أشياء جميلة، لأنّ الإنسان مخلوق أعقد بكثير من أن يحكمه معيار واحد فقط !

.

.

ليس من عادتي أن أحاسب الآخرين عن أفكارهم ومبادئهم بل أعتبر نفسي متطفّلة متى ما فعلتُ ذلك ، لكنّ نزعتي الفلسفيّة تقودني دائمًا إلى التأمّل بصمت في أسلوبهم الخاصّ ودوافعهم الداخليّة وتاريخهم الفكري الذي يتفرّد عند كلّ إنسان ، لذلك عندما كنتُ أشاهد “برومو” لأحد البرامج الشبابية الجديدة الهادفة والّذي بدأ عرضه في إحدى القنوات الإسلاميّة ، كنتُ أتأمّل في ( إنسان ) البرنامج أكثر ممّا أتأمّل في أيّ شيء آخر ، ولربّما يُعاب عليّ هذا لأنّ العقول الصغيرة تناقش الأشخاص بينما تختار العقول الكبيرة الأفكار ، لكنّي تعلّمتُ بأنّ الإنسان يبدو عند النظر إليه من إحدى الزوايا أهمّ من الأفكار المجرّدة بكثير .

لفت انتباهي في هذا البرنامج أسلوب اختيار الفتيات للحجاب ، إيشاربات ملوّنة وجميلة حدّ الإبهار صُمّمت بطريقة جديدة غير مألوفة تعطيك انطباعًا بأنّ ما يرتدينه لا يختلف عن أيّ لباس مؤدّب آخر سوى في مسألة غطاء الشعر ، إضافة إلى الإكسسوارات والقمصان الجذابة والميك آب ” الخفيف ” ، تذكّرتُ حينها مقولة مستهلكة كنتُ أسمعها في الثانوية : ” إنّه حجابٌ جميل إلى درجة أنّه يحتاج إلى حجاب ” !

لربّما يصفني البعض بالسطحية والشخصنة ، ولربّما يدعوني إلى متابعة حلقات البرنامج ومناقشة ما يُطرح فيه عوضًا عن محاسبة الفتيات على اختياراتهنّ الشخصيّة ، أنا لا أحاسب أحدًا .. كما أنّ نمط البرنامج الشبابي لا يناسبني ، المسألة أنّي أتأمّل بدهشة ممزوجة بالحيرة كيف تُهدم قناعاتنا التي آمنّا بها لسنين في لحظات بسيطة .. كيف تتلاشى المفاهيم وتتغيّر المعايير تدريجيًا عن وعيٍ منّا ، لقد كنّا نعتقد بأنّ غطاء الوجه فرض عينٍ ثمّ اكتشفنا بأنّ العلماء اختلفوا في ذلك فمنهم من حرّم كشف الوجه ومنهم من أباحه ، ثمّ اكتشفنا رأيًا جديدًا يجرّم غطاء الوجه ويضعه في دائرة العادات البالية بعد أن كان رأيًا فقهيًا ، والآن .. الآن أنا أشاهد فتيات متديّنات وواعيات يؤمنّ بالزيّ المحتشم وبغطاء الشعر ويكفرن بكلّ ما دون ذلك !

إنّ التغيير المتسارع والإنفتاح الذي نتحوّل إليه أمرٌ غير ممتع دائمًا ، بل أجده يأخذ بتلابيب النفس أحيانًا إلى الجنون والحيرة – مثلما يفعل بي الآن – لستُ فتاة متشدّدة ولكنّي باحثة عن التوازن مثل كثيرين غيري ، وما يصير إليه الأمر الآن ليس توازنًا أبدًا .. فنحن نختار المضيّ إلى المباح والأسهل ولم نتوقّف للحظة !

ما يخيفني بحقّ هو بديهيّة أنّ النفس تميل إلى ( المباح ) .. ألا يفسّر هذا لنا أنّ الكثير ممّا نعتقده حكم العقل فنبيحه على أنفسنا هو بالأصحّ حكم الهوى الذي أراد ذلك ؟ ثمّ ما هي المسافة التي تفصل بين العقل والهوى ؟ كيف يمايز الإنسان بينهما إذا كان سيختار ما يراه مباحًا دائمًا ؟

الحجاب بالذات هو أكثر ما يقلقني هنا ، ليس لأنّه يعبّر عن الهويّة الدينية  فحسب ، ولكن لأنّ التساهل فيه يقع في هوى المرأة التي تحبّ غريزيًا أن تبدو جميلة أمام الجميع وفي هوى الرجل الذي يستلذّ بهذا الجمال وكذلك في الأخلاقيّات الّتي تتحدّث ببداهة عن وجوب احتشام المرأة مع الإبقاء على هويتها المتمثّلة في وجهها وفي اختيارها الشخصيّ لما ترتديه ، وبين كلّ هذا يضيع التشريع الدينيّ !

.

.

لذّة الجهاد

إنّ الإنسان حين يتعود الاستجابة للمباح يفقد لذّة جهاده نفسه ، إنّنا نفقد متعة المقاومة والمصابرة حين نضع مبدئ ( الأصل في العادات الإباحة ) قبل مبدئ ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) .

ليس مطلوبًا أن تفعل كلّ ما تراه مباحًا مهما كان اقتناعك به ، شيء من المقاومة مطلوبًا لأن نكون مسلمين أو على أقلّ تقدير لأن نكون صادقين مع الله ! هذا الدين الّذي يبحث عن توازن الطين والروح في الإنسان يتحوّل دائمًا إلى أداة لتغليب أحدهما على الآخر مع الأسف ، والإنسان أسير هواه أينما سيّره سار إليه ما لم يضع حذره .

يتخيّر مسلم اليوم – وأنا داخلة في هذا الإطار دون شك – ما يعجبه من التشريعات وينتقي ما يشاء انتقاءًا ، وهو يرفض أن يتمّ انتقاده أو نصحه لأنّ مبادئ الحرّيّة الشخصية ورفض الوصاية قد طغت على تفكير الجميع ، المرير في الأمر أن الشيطان يخدعه فيعتقد بأنّ ما يفعله طبيعي إذ أنّ في كلّ إنسان معصية وطاعة ، وينسى بأنّ روح المعاصي والطاعات هو في الجهاد المقدّس للنفس وأنّ ما يفعله حقيقة هو اتّباع للطاعة الجميلة فقط واندفاع للمعصية اللذيذة .

.

.

على الهامش :

اخترتُ العنوان بمساعدة صديقتي نجلاء ،  فللعلماء قول مشهور بأن من أخذ برخص كل العلماء اجتمع فيه الشر وهذا حجابٌ يأخذ بكلّ الرخص .

نساء فاسقات ..

قياسي

قال تعالى في سورة النور ( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ )

.

.

” شاهدوا فتيات جدة الداشرات ” ..

أتذكر أنّي قرأت هذا العنوان صدفة  لموضوع في منتدى متطرف / مفرّط ، وتنبّأتُ بأني سأشاهد صورًا خليعة لفتيات مراهقات أو على الأقل بعض اللقطات السفيهة والمريضة لنساء لا يحسبن على جدّة وأهلها ، ترددتُ وأنا أضغط على الرابط خشيةً ممّا سأراه ، لكنّي فوجئت برؤية صور عادية جدا لمجموعة من النساء المحتشمات مع أحد وجهاء المجتمع ، وكان أن تتابعت التعليقات التي تصف الفتيات بالعهر والفسق والخنا !

فكرتُ كثيرا ، ما الذي يدفع رجلاً إلى النيل من أعراض مسلمة بهذه السهولة دون أن تكون قد اقترفت ذنبًا ؟ كيف يمكن لشخص سوي أن يرمي فتيات غافلات بالعهر والفسق لمجرّد ظهورهنّ كاشفات الوجه ؟

هذا المجتمع مصابٌ بمرض عضّال اسمه ” المرأة ” ، وبينما يقول نابليون : فتّش عن المرأة ، فإنّ أغلب رجالنا لا يحتاجون إلى هذه النصيحة في ظلّ تواجد المرأة في جميع صراعاتهم ، على أنّهم – رغم هذا –  يخيرونها بين الصمت وبين أن تتحدّث بما يوافق أفكارهم وقيمهم الخاصّة .

حسنًا ، ماذا يحدث للمرآة التي تقرر الخروج وطرح أفكار جديدة لم يألفها الرجل المنتفخ ذكورياً ؟

الرجل يقارع فكرة أخيه بالفكرة ، لكنّه يقارع فكرة المرأة بالقذف والنيل من عرضها علّه بهذا يستطيع إسكاتها في مجتمع يسقط المرأة التي نيل من سمعتها في الدرك الأسفل من النار  حتى لو أنّ جاهلاً وسفيهًا هو من تحدّث عنها  .

نادين البدير كمثال نالتها ألفاظ القذف والشتائم اللاأخلاقية ، وعلى الرغم من أنّي أختلف معها من أخمص قدمي وحتّى دباسات شعري فإنّي أستقبح اللجوء إلى القذف والتعريض بدلا من مناقشة أفكارها ودحضها ، لماذا فعلوا ذلك ؟ فقط لأنّها ” امرأة ” ، والنيل من سمعتها أسهل بكثير من النيل من أفكارها !

سوف يدهشك أن تعود إلى الأفكار الشاذّة أو الجديدة الّتي طرحتها نسوة في المجتمع لتكتشف بأنّها قوبلت بالشتائم والقذف وهتك الأعراض بينما لا تجد المرأة من يرد عليها وينتقدها بتعقل ووعي ، هذا يقود – في المقابل – إلى ظهور شريحة منافحة عاطفيًا تبدئ محروقة بالدفاع عن عرض المرأة وسرد مناقبها الشخصية ليضيع دم ” الفكرة ” بين القبائل !

.

.

ما يؤلم بحق هو الأقلام التي تتخذ من الدين قناني لأحبارها ثمّ هي تندفع مسيئة – بحديث مقرف – عن الفتيات وتخوض في أعراضهنّ وترميهنّ بالفسق ، ألم يدرس أمثال هؤلاء عن كبائر الذنوب في الدين الذي يعبّؤون أقلامهم به ؟ ألم يعرفوا بأنّ الله يغفر ما بينه وبين الناس ، ولا يغفر ما يؤذي الناس به بعضهم ؟

سورة النور التي حملت آداباً وعقوبات اجتماعية أسهبت في تبيان عظيم هذا الذنب عند الله :

إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ ( ١٥ )

وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ  ( ١٦ )

يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( ١٧ )

إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( ٢٣ )

يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( ٢٤ )

.
.

حسنًا ، بالنظر إلى الموضوع بشكل شخصي فأنا لا أكشف وجهي ولا أقبل التقاط صور مع رجل أجنبي عنّي ثمّ إنّي لا أؤيد السماح بقيادة المرأة للسيارة في وضعنا المدني الحالي ولا أؤيد أغلب حركات التحرر النسائية ، لكنّ هذه مجرّد قناعة شخصية لا تسمح لي حتّى بالنظر إلى من تفعل ذلك على أنّها أقلّ منّي احتشامًا أو خلقًا .

فارق كبير بين مقارعتنا الأفكار ومقارعتنا الأخلاق ، حتى أسوئ الناس مذهبًا قد تكون له أخلاق جيدة ومن المعيب جدًا أن ألجئ إلى النكال بها عندما تفلس أفكاري عن مواجهة هذا المذهب  .

ثمّ إنّ الواثق من أفكاره لن يلجئ إلى الخوض في عرض امرأة بريئة ، بل يفعل ذلك كلّ من عدمت حجته وأفلست أفكاره .

 

إضافة ثرية من الأستاذة مها باجنيد :

يعد هذا النوع من القذف مغالطة فكرية تسمى Ad hominem
ومفتضاها التهجم على الشخص لاشغال الناس عن النقاط المطروحة أو لهز ثقة الناس بكلام المدعي عليه
طبعا، في مناهجنا لا يتم تدريس علم التفكير أو النقد المنطقي، ولذلك نجد هذه الظاهرة متفشية عند الكثيري، فيهبون لمهاجمة الشخص واتهامه، واحيانا اتهامهم بالعمالة أو التجنس أو انمائهم لطائفة دينية ضالة او احيانا الحكم عليهم بأنهم يعانون من "حالة نفسية" أو "مطلقة معقدة"
من أشهر الأمثلة هي ما حدث مع
Mark Furhman
 وهو يدلي بشهادته ضد أو جي سيمبسون، ثم ما لبث ان أتهم بالعنصرية ضد السود فسقطت شهادته

منازل مؤقتّة ..

قياسي

في علم البرمجيات ، الثوابت هي مجموعة من القيم التي تعرّفها قبل البدء بالتطبيق أو الدالّة لاستخدامها  في المشروع .

في علم البرمجيّات ، لا يمكن تغيير هذه الثوابت خلال سير التطبيق مطلقًا ، لأنّك اخترتَ لها منذ البدء أن تكون ” ثوابت ” .

 

.

.

والثوابت – لدى البشر – ليست أكثر من بيوتٍ مؤقتّة ، يسكنونها لفترة من الزمن .. يحتمون بجدرانها ويزينونها للأقرباء والغرباء ، فالناس تتفاخر بالثوابت الأكثر أناقة !

لكنّ النّاس أيضًا تغيّر منازلها لأخرى  ” أكثر اتسّاعًا ” بين فترةٍ وأخرى ، وتتحول الثوابت إلى أطلالٍ يبكي أمامها البعض ، ويتنساها الغالبية ، من الَّذي سيفكر بمنزلٍ قديم كان يحوّطه بجدرانٍ سميكة ؟!

العقيدة يمكن أن تصبح مظهرًا وثنيًا سرقناه من ثقافة فرعونية ، وعذاب القبر ليس أكثر من كذبةٍ أراد مشايخ التهويل والترهيب إخضاع إراداتنا بها لسببٍ لم أفهمه !

الحلال يمكن أن يصبح حرامًا – هكذا فجأة – بفتوى اكتفت بعلامات الترقيم  من السؤال ، دون أن تقرأ السؤال !

الحرام يمكن أن يصبح حلالاً – بالتدريج – لأنّ أحدهم لم يجد فيه بأسًا ولا حكمةً من التحريم ، والبشر عقلاء بما يكفي ليقرروا عن الله الحكمة من تشريعاته ، ولا يمكن لله أن يخالف فلسفة البشر وعقولهم !

الله حرّم على النساء نمص الحواجب ؟

ما هذا الإله الَّذي يحاسب النساء الضعيفات على شعيرات حواجبهنّ – يا جماعة قولوا كلام بالمنطق – !

الله أمر المرأة بالستر ؟

الله يحبّ الجمال ، والاحتشام ” بالبنطلون ” كافٍ لحفظ المجتمع من الرذيلة !

الحجاب مختلفٌ فيه ، أمّا النقاب فتقليعةٌ يهوديةٌ قديمة !!

لا يُوجد ثوابت لدى البشر ، فهم يتفاخرون بالتغيير كما يتفاخرون بملابسهم الجديدة ، والثعابين تغيّر جلدها سنويًا لأنّه يصبح غير قابلٍ للاستخدام ، لكنّ البشر قد يغيّرون جلودهم لأنّها ” الموضة ” .

والتغيير قد يصبح موضةً أيضًا ، وهو موضة هذا العقد من الزمن ، فكلّ شيءٍ يجب أن يتغير بدءًا من أسماء المواليد ، وانتهاءًا بالقبور الَّتي لا تعذّب أحدًا !

وبالنسبة لشعبٍ منكوسٍ على عقبِيه ، تصبح موضة التغيير هوسًا يشبه هوَس المراهقات بالأجساد النحيلة ، فكلّ مبدئٍ يصبح عرضةً للنحول والطيران في الهواء ، والبشر الذين لم يقفوا يومًا على أرضٍ صلبة يستحيل عليهم ملاحظة أنَّهم يخسرون بذلك كلَّ شيء !

.

.

أعرف بأنّ الرغبة بالتغيير هو ردّة الفعل الفطريّة على التخلّف والإحباط ، وفي مجتمعٍ كنحن ، يصبح التبلّد سلوكًا حيوانيًا وذليلاً ، التغيير مطلوب جدًا .. لكنّ الأمر يستدعي منّا سؤالاً مثل : لماذا نتغيّر ؟

ليس كلّ تقدمٍ إلى الأمام هو تقدّم إلى الحضارة ، بعض مقومات الحضارة تحتاج منّا إلى الرجوع إلى الخلف ، وبعضها يحتاج إلى الثبات على ما نحن عليه ، ومهما بلغت المجتمعات الإسلامية من الإنحطاط والتخلّف فإنّها تحتاج إلى قاعدتها العقائدية والدينية والأخلاقيّة ” الأصيلة ” لمشروع النهضة الحضارية .

كثيرًا ما تخسر المجتمعات المريضة حياتها حين تخلط بين العضو السليم والعضو المريض فتبتر كليهما ، والأسوأ حين تعتقد بأنّ ” قلبها ” يحتاج إلى استئصال واستبدال بقلبٍ مستورد من الخارج – مصطلح الإسلام الجديد على سبيل المثال – !

لغة المفكرين والمثقفين الحاليّة هي لغة التغيير ، وأيّ عبارةٍ ” قديمة ” تتفوه بها فسوف تكون لعنةً عليك حتى لو كانت عبارةً صحيحة ، يراودنا الشكّ في كلّ ما حولنا لأنّنا نعرف كم عشنا ماضيًا مظلمًا  ، فتُدان الأفكار مهما صلحت – فقط – لأنّها كانت سائدة في الماضي .

أصبحنا نخجل من قول عبارات مثل : هذا حرام لا يجوز ، لأنّ ” التغيير ” طالبنا بإعادة النظر حول الأحكام المختلف فيها – الموسيقى على سبيل المثال – وهذا أمرٌ صائب ، لكنّ الخطأ هو أنّ ” هوس التغيير ” دفعنا إلى استنكار نصيحة الآخرين بشأن المحرّم قطعاً  واعتبار هذه النصيحة خطابًا قديمًا و” قشريّ ” كان من المفترض إزالته لعيون النهضة !

الوعظ الديني والمحاضرات الدعوية نالها هذا الهوس أيضًا ، فكلمة ” وعظ ” أصبحت مُدانة لا يجرؤ أحدٌ على الدعوة إليها ، رغم حاجة المسلمين إليه  في العصور المنيرة أوالمظلمة للحضارة الإسلاميّة ، لكنّ الرغبة في تغيير بعض أساليب الدعاة المغالية حمّلتنا على رفض جميع هذه المحاضرات والنظر إلى الداعي إليها على أنّه ” صحوي متأخر ” !

نصل هنا إلى نقطةٍ مهمّة ، وهي أنّنا قد نحتاج إلى إحداث تغيير في جزءٍ من فكرةٍ أو سلوكٍ معين  ، لكنّ الخطأ الفظيع الَّذي نقع فيه هو انتزاعنا ورفضنا لهذا السلوك كليّةً حتّى لو كان أكثره صواب وقليله خطأ !

نحتاج جدًا إلى الوقوف أمام المتغيرات الجديدة الَّتي تطرؤ على أفكارنا وحياتنا : هل يحتاج  الأمر حقًا إلى التغيير ؟ أم أنّ بقاءه على ما هوَ عليه سوف يكون أفضل لنا .. هل الفكرة بحدّ ذاتها تحتاج إلى انتزاع ، أم تحتاج إلى بعض التغيير لا أكثر ؟

.

.

أخيرًا .. أحبّ التركيز على أنّ هذا المقال تناول فقط الجزء الفارغ من كأس التغيير .. من باب التغيير !

فرانسيس بيكون .. أوه أردتُ دائمًا قول ذلك !

قياسي

 

ثمّة فيلسوفين توقفتُ أمام قصّة حياتهما وأفكارهما كثيرًا حين قرأتُ كتاب ” قصّة الفلسفة ” لـ ويل ديورانت صاحب الموسوعة التاريخيّة الأكثر شهرة ” قصّة الحضارة ” .

أمّا الأول فهو الفيلسوف اليهوديّ الملحد ” والأكثر قبحًا حتى الآن ” سبينوزا، ولقد أحببتُ نفسي حين قرأتُ قصّته وقصاصاتِ كتبه .. إذ أنّني كرهتُ سبينوزا تمامًا ولم أستطع تقبّل أيّ فكرةٍ من أفكاره .. وأنا نادرًا ما أفعل ذلك مع فيلسوف !

أمّا الثاني فهو الأب الروحي للفسلفة الأوروبية : فرانسيس بيكون .

وفرانسيس بيكون هو الفيلسوف الَّذي أصرخ كلّما قرأتُ له عبارة : أوه .. أردتُ دائمًا قول ذلك !

وعلى الرغم من أنّ حياته لم تكن مثاليّة ولا جيدة أبدًا ، على الأقلّ بالنسبة لشخصٍ يكره الطبقة الأرستقراطية ويمقت المظاهر مثلي ، لكنّي أشعر بأنّ شيطاني كان منسجمًا كثيرًا مع شيطانه وأنا أقرأ الكتاب 😀 .

وتكريمًا لهذا الانسجام الفريد  ، سوف أنقل في هذه التدوينة ، بعض أفكاره التي يتقاسمها بالقسط مع شيطاني :

* من الصعب أن نقرّر في ما إذا كان الجمع بين التفكير والتأمّل والحياة الفعّالة ، أو الاقتصار اقتصارًا تامًّا على حياة الفكر والتأمّل يضعف العقل ويؤخّره

* إنَّ المعرفة  إن لم تكن مقرونة بالعمل ليست سوى زهور وغرور علمي شاحب .

* إنّ انفاقك على الدراسة النظريّة وقتًا طويلاً ضرب من الكسل والخمول ، والتحلّي بها تصنّع وتكلّف ومحبة في الظهور ،  واستنادك في حكمك دائمًا على أحكام الدراسة النظريّة وقواعدها ضربٌ من مجون العلماء ومزاجهم .

* إنّ رجال الأعمال يذمون الدراسة والبسطاء يكبرونها والحكماء يستخدمونها .

* إنّ القليل من الفلسفة ينزع بعقل الإنسان إلى الإلحاد ولكن التعمق فيها ينتهي بعقول الناس إلى الإيمان.

* عقل الإنسان عندما ينظر إلى الأسباب الثانوية المبعثرة قد يتوقف عندها ولا يتجاوزها ، ولكن عندما يشاهد تسلسلها واتحادها ، واتّصالها ببعضها بعضها ينتهي به ذلك إلى الإيمان بوجود العناية الإلهية .

* يكبر الإنسان سبع سنواتٍ في أفكاره في اليوم الأول من زواجه .

* إنّ جوهر الثورة ينقسم إلى نوعين : الإفراط في الفقر والإفراط في الثورة .

* أمّا أسباب الثورة فهي : البدع الدينية ، والضرائب ، وتغيير القوانين والعادات ، وتحطيم الامتيازات ، والظلم على نطاق واسع ، وتقديم الأشخاص الذين لا يستحقون التقديم والأجانب ، والمجاعات والجنود المسرّحون .

* كلّ إساءة توجّه إلى النّاس تزيد في توحيدهم وتوحيد أهدافهم .

* أفضل وسيلة لتجنّب ” الثورات ” هو التوزيع العادل للـ ” ثروة والمال ” .

* إنّ المال كالسماد ، لا ينفع إلاّ إذا فُرد وبُسط .

* لا يمكن أن نسود الطبيعة إلاّ إذا درسنا قوانينها .

* عقل الإنسان يشبه المرآة غير المستوية التي تعكس خواصها على الأشياء المختلفة ، وتشوهها وتجعلها تبدو قبيحة .

* إنّ المعرفة التي لا تُولّدعملاً معرفة شاحبة لا تستحق اهتمام النّاس .

* إننا نكافح لنتعلم صور الأشياء لا من أجل الصور في حدّ ذاتها ، ولكن لأننا بفضل معرفة الصور / ” القوانين ” قد نتمكّن من تجديد صنع الأشياء وفقًا لرغباتنا .

* ندرس الرياضيات لكي نحسب الكميات ونبني الجسور ، وندرس علم النفس لكي نجد طريقنا ونخرج من غابة المجتمع .

* إنّ الفن طويل والزمن سريع ، هذه هي مأساة كلّ نفس بشريّة .

عمليّة تجميل .. لوجهٍ بلا ملامح !

قياسي

امرأةٌ ..

دميمة الوجه ، قبيحة المنظر ،  جاحظة العينين ،  مصابةٌ بحولٍ غريب حتّى لا تدري إلى أين تنظر ، مترهلّة الجسم ، لها أسنانٌ محطّمةٌ تقريبًا ، إذا همّت بالحديث فسوف يقفز إلى ذهنك سؤال من نوع : هل تستطيع امرأةٌ مثل هذه قول كلماتٍ مرتّبة ؟

ورغم ذلك ، فهذه المرأة الَّتي لا أعرفها ولا أعرف اسمها .. لم أجلس معها يومًا ولم نتبادل أكثر من السلام .. إذا ابتسمت .. إذا ابتسمت فحسب .. إذا ابتسمت لا أكثر وظهرت أسنانها المشوّهة ، فإنّها تهديني سعادة الكون بأسره !!

تجبرني على الابتسامة ، الفرح والجنّة والهواء الذَي لا يشبه شيئًا .. تتفجّر من بين شفتيها الضخمتين إذا ابتسمت حتّى لكأنّ السماوات والأرضين اتفقت على الابتسام معها !

أريد أن أقول لها هذا .. أن أخبرها بأنني أحصل على سعادة جديدة كلّما مرّت أمامي ورمت ابتسامة فوضوية ، لا لون لها .. لا طعم ولا رائحة !

مهما كانت اللوحة الَّتي أمامنا جميلة .. فإنّنا لن نقف أمامها أكثر من ربع ساعةٍ لمطالعتها !

ومهما كانت الوجوه الَّتي نعيش معها برّاقة ، فإنّ هذا البريق سوف يطفوا في أحد الأيام .. سوف نعتاد على ذلك الضوء والجمال الماديّ ولن يثير دهشتنا لفترةٍ طويلة !

لا شيء خالدٌ كـ الروح .. وحين أتحدّث عن ” جمال الروح ” فانا لا أقول كلامًا مجازيًا أو مثاليًا أحاول به مواساة الَّذين ابتلاهم الله بالقبح أو قلّة الجمال .. إنّني أتحدّث عن حقيقةٍ بديهية ، نعرفها جميعًا لكنّ أعيننا قد طُمس عليها بـ ” شطرطون الإعلام ” .

سوف يمتدّ عمر الوجه إلى سنواتٍ وسنوات ، ثمّ إنّه – مهما امتدّ عمره – سوف يتحوّر في القبر إلى تراب ، وسواء أكان جميلاً أم قبيحًا سوف ينتهي به الأمر إلى هيكلٍ عظمي يبتسم بطريقة بلهاء ويخيف كلّ من يلتفت إليه !

أمّا الروح .. الروح تصعد إلى السماء حتّى لو مات الجسد وانتهى ، وهي من تحدّد – وحدها – إن كان مرحّبًا بها بين الملائكة أو كانت ملعونة !

هل تعرفون كيف تجمّلون أرواحكم وتزينوها بالشرائط والألوان المتناسقة ؟

ليس أكثر من أن تحبّوا الله وتحبّوا الناس وتحبّوا أنفسكم جيدًا ..

.

.

الأساطير اليونانيّة القديمة روّجت لأبطالٍ خرافيين لا مكان لهم بين حواسّ الناس فلم يستطيعوا الوصول إلى تفاصيل حياة العامّة مهما عظمت بطولاتهم !

أمّا أساطير القرن الواحد والعشرين .. فإنّها تروّج لأبطالٍ يرونهم النّاس أمامهم ويتفاعلون معهم ، يسمعون أصواتهم .. فيبكون لبكائياتهم ويضحكون لسعادتهم ، إنّها أساطير السينما والتلفاز وعارضي الأزياء بكلّ بساطة !

لكنّ الأساطير تبقى أساطير ، والكذبات تبقى كذبات .. لا توجد فتاةٌ بجمالٍ لا يشوبه كدر ، لا يوجد شابٌ مثالي تمامًا ، ثمّ من خبّئ لنا في هذه الأساطير معايير الجمال الَّتي يجب أن نأخذ بها ؟

من حدّد لنا الطول المناسب والبشرة المناسبة والوزن المناسب واللون المناسب ؟

من وضع لنا حدودًا أمام أعيننا للجمال حتّى أنّنا لا نرى سواها ؟

من قال أنّ الفتاة النحيلة أجمل من الفتاة الممتلئة ، وأنّ الفتاة البيضاء أجمل من الفتاة السمراء ، وأنّ الأنف الكليوبتري أجمل من الأنف الأفطس ؟

إنّ الجمال لا شروط له ولا حدود ، ولكلّ إنسانٍ الحقّ في أن يرى الجمال بصورةٍ مختلفة عن الآخرين ، أن يضع لك الآخرون معايير محدّدةً للجمال هو إذلالٌ وإهانة ، وأن يطللبوا منكَ تغيير ملامحك لتناسب معاييرهم هو نوعٌ من العبودية يجب ألاّ ترضاها لنفسك .. يجب أن تتحرّر منها مثل خرقةٍ قديمة تحاول خنقك بدعوى أنّها وشاحٌ عصريّ جميل !

.

.

أيتها الفتيات الصغيرات .. يا معشر الأطفال الجميلين .. الجميلين جدًا

دافعوا عن ملامحكم وجمالكم بكلّ ما أوتيتم من قوّة ، لا تسمحوا لأحدٍ بتغييرها لمجرّد أنّها لم تعجبه !

خبؤوها بعنايةٍ واحرصوا عليها .. إنّها بكلّ بساطة جزءًا من ” أناكم ” الَّتي أهداكم الله إياها .. وهدايا الله جميلةٌ دائمًا حتّى لو لم تعجب الآخرين !

وإذا بكيتم يومًا أمام المرآة لانّكم لستم جميلي المنظر ، فتذكّروا أنّ جمال الجسد ليس أكثر من قشرةٍ مهترءة ، وأنّ ما خلف هذه القشرة هو الأهم .. لأنّ الملائكة سوف تنظر إليه إذا استقبلتكم في السماء يومًا ، ولأنّ الله لا ينظر إلى صوركم .. ولكن ينظر إلى قلوبكم .

.

.

تحكي لي أمّي عن امرأة موسومةٍ بالجمال مشهورة به ، طلّقها زوجها ليتزوّج من فتاةٍ ليس لها حظّ من الجمال إلاّ كحظّ الصخر منه !

لم تبكي المرأة أو تشتمه ، نظرت إلى نفسها فقط وقالت : أستحقّ الطلاق .. كم كنتُ مغرورة بجمالي عاجزةً عن تقديم أكثر منه !

شكرًا للبرّاك .. الآن قرأتُ لخالص جلبي !

قياسي

خالص جلبي ، المفكر والطبيب السوري المقيم في المملكة .. يمرّ بي هذا الاسم كثيرًا كلّما قرأتُ مقالاً أو قصاصةً عن مالك بن نبيّ رحمه الله ، لقد كان يمثّل لي دائمًا أحد المفكرين المتأثرين بمالك ولم أسمع عنه سوءًا قط  .. لذلك كنتُ أحبّه قبل أن أقرأ له أيّ كتابٍ أو مقال .

اليوم ، قرأتُ – صدفةً – في موقع فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البرّاك سؤالاً حول ” خالص جلبي ” ، حيث اقتبس السائل شيئًا من المقولات – المبتورة – لهذا المفكر السوري من كتابيه سايكولوجيا العنف والنقد الذاتي ، وسأل الشيخ عن :  حكم الشرع في هذا المدعوّ !

وعلى الرغم من أنّي أجهل النّاس بالفقه والشريعة ، إلاّ أنّي أعلم أنّ ” الجرح والتعديل ” ليس بهذه السهولة ، حيث ينسف عالمٌ شخصًا ما لأنّ أحدهم سأله عن رأي الشرع فيه ووضع شيئًا يسيرًا جدًا ومبتورًا من أفكاره  .

أحزنني أنّ فضيلة الشيخ اتّهم خالص جلبي باستغلال الطبّ لنشر الأفكار مثل ما يفعل المبشرون النصارى !!

أحزنني أنّه وصفه بالشجرة الخبيثة ، لم يعلم فضيلة الشيخ حتّى من هو ” خالص جلبي ” وما هي كتبه وأفكاره ، لم يكلّف نفسه بالقراءة المباشرة له قبل أن يصدر عليه مثل هذه الأحكام القاسية !

أحزنني أنّه دعا الله في نهاية مقاله أن يخرجه من هذه الأرض ذليلاً خاسئًا !

لم أكن لأغضب لو أنّ فضيلة الشيخ عاد إلى كتب خالص جلبي وفنّدها ونقدها ثمّ أصدر ذات هذه الأحكام ، لكنّه نقد أفكارًا مبتورة .. مبتورة لا يمكن الحكم عليها ما لم تعرف الأفكار الَّتي تسبقها والأفكار الَّتي تليها والظروف الَّتي قِيلت فيها ، الأمر يشبه أن تقرأ ” ويلٌ للمصلين ” ثمّ تسكت !

لذلك فتحتُ مدوّنة الدكتور خالص جلبي وقرأتُ مقالاته لأعرف هل حقًا يستحقّ الرجل كلّ هذا ، هل هوَ عاصِ الفكر لهذه الدرجة  ! .. وأقول الآن : الحمد لله الَّذي يسّر لي الوصول إلى مدوّنته ووفقني لقراءة أفكاره الهادئة والحالمة ، أعرف بأنّه ليس ملاكًا وأنّ لكلّ مفكّرٍ أخطاؤه ، لكنّني سعيدةٌ جدًا بالقراءة له .

للأسف ما فعله الشيخ البرّاك تكرر سابقًا من كثير من العلماء مع الداعية عمرو خالد والدكتور طارق السويدان والشيخ سلمان العودة حفظهم الله جميعًا وهداهم ، حيث كان السائل يسأل العالم حول ” رأي الشرع فيهم ” بعد أن يقتبس له من كتبهم ومحاضراتهم ويتقنّص الزلاّت ويشرّح الكلمة الواحدة  ، فيباشر العالم بالقدح والجرح والـ ” نسف ” دون أن يعرف حتّى لماذا قالوا هذه الكلمة وما هو هدفهم أو مقصدهم !

ولن أنسى الضجّة الَّتي حدثت لعمرو خالد والشتائم الَّتي تلقاها لأنّ أحدهم اقتصّ شيئًا من محاضرته حول آدم وحواء ، حين وضّح عمرو خالد بأنّ إبليس لم يكفر بالله كفر إنكار لوجوده ولكنّه كفر كفر استكبار ، فاتّهم – بالحرف – بالدفاع عن إبليس وعدم تكفيره !

ليتَ أنّ الفساد الإدراي والعبث بالوطن وأبناءه يتلقّى نصف إهتمام العلماء بالجرح والتعديل .. لكانت الدنيا بخير ، وما هي بخير والله !

.

.

وعلى ” جرحٍ ” آخر .. نلتقي